أعادت موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة، والتي شارك فيها مئات الشبان والقاصرين، إلى جانب بعض الأسر. فتح النقاش حول الأسباب الحقيقية التي تدفع أعدادا متزايدة من المغاربة إلى خوض مخاطر الهجرة غير النظامية.
وبينما تركز المقاربات الرسمية غالبا على الجوانب الأمنية والاقتصادية، يرى عدد من الباحثين أن الظاهرة أصبحت أكثر تعقيدا. وأن فهمها يقتضي التوقف عند أبعادها الاجتماعية والثقافية والنفسية.
وفي هذا السياق، قدم الباحث في علم الاجتماع عبد المنعم الگزان قراءة سوسيولوجية لظاهرة “الحريك”. مؤكدا أن الهجرة غير النظامية لم تعد مجرد نتيجة للفقر أو البطالة، بل أصبحت مرتبطة بتحولات اجتماعية وثقافية عميقة. وبصورة ذهنية عن النجاح والهجرة تشكلت عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، إلى جانب عوامل أخرى تتجاوز حدود الدول المصدرة للهجرة.
سياسات انتقائية وأزمة أمل
يرى الگزان أنه عند الحديث عن الهجرة غير النظامية، لا بد من التذكير بالسياسات الانتقائية التي تعتمدها بعض الدول. والتي تشتكي باستمرار من تدفقات الهجرة غير النظامية. في الوقت الذي تقدم فيه مختلف أشكال الإغراء لاستقطاب الأطر والكفاءات الشابة القادمة من الدول نفسها التي تتهمها بتصدير المهاجرين.
ويعتبر الباحث في علم الاجتماع، أن هذه الدول لا تكتفي بالاستفادة من الثروات الطبيعية لتلك البلدان، بل تستقطب أيضا رأسمالها البشري. بما يؤثر على فرص التنمية وقدرة تلك الدول على خلق فرص الشغل واستيعاب أعداد الشباب.
وأضاف الگزان أن ارتفاع وتيرة “الحريك” خلال فصل الصيف يرتبط أيضا بعوامل موسمية. من بينها كثافة حركة العبور بين إفريقيا وأوروبا وتحسن الأحوال الجوية وانخفاض هيجان البحر. لكنه شدد على أن اختزال الظاهرة في الفقر والبطالة وضعف المستوى التعليمي لم يعد يعكس الواقع. بعدما أصبحت تشمل حاملي الشهادات الجامعية، والعاملين، والقاصرين، والأسر، والفتيات، إلى جانب الشباب الذكور.
كما سجل الباحث أن أساليب الهجرة نفسها شهدت تحولات متواصلة، إذ انتقلت من استعمال القوارب المطاطية أو الصغيرة وتسلق الأسلاك الشائكة إلى السباحة لمسافات طويلة. ثم ظهر مؤخرا استعمال المظلات الشراعية، معتبرا أن كل تطور في وسائل المراقبة يقابله تطور في وسائل الإفلات منها، وأن الاستعداد النفسي للمغامرة أصبح أكبر، إلى درجة يتحول معها الموت إلى خيار يبدو أقل رعبًا من واقع يفتقد للأمل.
أوروبا المتخيلة وصناعة الحلم
وأوضح الگزان أن الكثير من الشباب لا يهاجرون نحو أوروبا الواقعية، بل نحو “أوروبا الذهنية” التي صنعتها الصور المتداولة عبر المنصات الرقمية. وحكايات الأقارب والأصدقاء المقيمين بالخارج. فبحسبه، يهاجر هؤلاء إلى أوروبا “تيك توك” و”إنستغرام” و”فيسبوك”. وليس إلى أوروبا التي يعيش فيها المهاجر تحديات العزلة الاجتماعية والضرائب وصعوبات الاندماج.
وأضاف المتحدث أن الإعلام ساهم في ترسيخ صورة الهجرة باعتبارها طريقا لتحقيق نجاحات استثنائية، رغم أن جزءا من هذه الصورة يعكس تجارب حقيقية. إلا أنه في المقابل لا ينقل بالقدر نفسه قصص الفشل أو التمييز أو العنصرية أو صعوبات الاندماج. كما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي، تشجع ما وصفه بـ”الاستعراض الرقمي”. حيث يحرص كثيرون على إظهار لحظات النجاح وإخفاء لحظات الإحباط والتعب والإقصاء.
وأشار الگزان إلى أن ذلك أدى إلى اتساع ما يعرف بـ”المقارنة الاجتماعية الرقمية”، إذ لم يعد الشباب يقارنون أوضاعهم بمن يعيشون في محيطهم فقط. بل يقارنون أنفسهم بما يشاهدونه يوميا على المنصات الرقمية، وهو ما يعزز الشعور بالحرمان النسبي. ويحول الهجرة إلى رمز للنجاح الاجتماعي ووسيلة لاكتساب الاعتراف والمكانة داخل المجتمع.
كما اعتبر الباحث في علم الاجتماع، أن الظاهرة ترتبط أيضا بانسداد آفاق الترقي الاجتماعي، حتى بالنسبة لمن يشتغلون. حيث لم تعد المشكلة مرتبطة بالبطالة فقط، بل بتراجع الثقة في المستقبل. مضيفا أن الهجرة في عدد من المناطق أصبحت مدعومة بشبكات اجتماعية تضم الأسرة والأصدقاء والأقارب، وتحولت في بعض الحالات إلى ثقافة مجتمعية تنتقل بين الأجيال.
وفي ختام تصريحه، شدد الگزان على أن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تقتصر على الحلول الأمنية، كما أن مسؤوليتها لا تقع على عاتق الدول المصدرة للهجرة وحدها. بل تستوجب مقاربة شاملة تجمع بين التنمية الاقتصادية، والتربية الاجتماعية، وتعزيز التربية الإعلامية والرقمية. وإعادة بناء الثقة في المستقبل، إلى جانب تحمل الدول المستقبلة للهجرة جزءا من مسؤوليتها تجاه الدول المصدرة. معتبرًا أن الهجرة غير النظامية أصبحت اليوم معركة مرتبطة بالصورة والمتخيل والحلم، وبكيفية تشكيل وعي جديد لدى الشباب.


