بقلم: د.مونية المنصور*
غصّت شاشاتنا خلال اليومين الماضيين بصور شباب وقاصرين يتجهون نحو سبتة، المدينة التي يعتبرها المغرب جزءا من ترابه الوطني الخاضع للاحتلال، مما يجعلنا نتساءل هل نحن أمام هجرة إلى الخارج، أم أنّ الأمر لا يعدو أن يكون انتقالا إلى جزء من الوطن يخضع لسيادة أجنبية؟ قد لا يكون لهذا السؤال جواب قانوني أو سياسي محدد، إلا أنه يختزل مفارقة مؤلمة، ويكشف تعقيد ظاهرة تعكس تحولات كبيرة في علاقة الشباب بوطنهم.
فالهجرة اليوم لم تعد مجرد استجابة للفاقة أو البطالة، رغم حضورهما القوي، أكثر ما هي في غالب الأحيان تعبيرا عن أزمة أمل تحمل في داخلها أسئلة عن الانتماء، وعن الثقة في المستقبل، وعن صورة النجاح التي ترسخت في أذهان جيل كامل. وكم من شاب خاطر بحياته، ليس لأنه لا يجد ما يأكله، بل لأنه لم يعد يرى في بلده مساحة كافية لتحقيق أحلامه.
ولا يمكن إنكار أن الوضع الاقتصادي يظل عاملا حاسما في تغذية هذا الإحساس، لكن الاكتفاء بهذا التفسير يجعلنا نغفل أبعادا أخرى لا تقل تأثيرا، فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مصنعا للأحلام، فهي تعرض حياة المهاجر كحياة سهلة ومليئة بالنجاح والرفاه، بينما الواقع يخفي وراءه قصص العزلة والاستغلال والعمل الشاق وصعوبة الاندماج. وهكذا تتحول الهجرة في المخيال الجماعي إلى طريق مختصر نحو حياة أفضل، حتى وإن كان ثمنها المجازفة بالحياة.
ويزداد المشهد قسوة حين يكون بين المهاجرين قاصرون، فخروج طفل أو مراهق في رحلة محفوفة بالمخاطر يحمل رسالة اجتماعية تقول إنّ هناك حلما لم يجد مكانه الطبيعي لينمو داخل الوطن، وهي رسالة تدفع إلى مساءلة الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الثقافية والإعلامية، وكل الفضاءات التي يفترض أن تمنح الناشئة الإحساس بالانتماء والأمل والثقة في المستقبل.
فالمقاربة الأمنية، مهما بلغت نجاعتها، لا تستطيع وحدها أن توقف هذا النزيف، فقد تؤخر العبور إلى الضفة الأخرى، لكنها لا تعالج أسبابه. ولعل ما يحتاجه شبابنا ليس فقط حدودا أكثر صرامة، بل أفقا أوسع وأرحب يوفر لهم تعليما يمنحهم الكفاءة، وثقافة تفتح أمامهم الخيال، وتكوينا يؤمن عملا كريما، وكذا مؤسسات تجعلهم يشعرون بأن لهم مكانا في صناعة مستقبل بلدهم.
والمفارقة القاسية هي أنّ الهجرة لا يمكن اعتبارها خسارة عددية، بقدر ما هي نزيف رأسمال بشري استثمر فيه الوطن سنوات طويلة، فما نخسره كبلد من طاقات بشرية شابة، قد يتحول، مع مرور الوقت، إلى مكسب لدول تعاني أصلا من الشيخوخة وتراجع معدلات الولادة، وتحتاج إلى يد عاملة جديدة تحافظ على دينامية اقتصادها.
إن الهجرة إلى سبتة بمثابة مرآة تعكس أسئلة جوهرية تتعلق بالثقة والأمل والعدالة الاجتماعية، والاستجابة الحقيقية لها تبدأ من داخل أسوار المدرسة، وفي مدرجات الجامعة، وفي فضاءات الثقافة، وفي سوق الشغل، وفي كل مكان يشعر فيه الشباب بإمكانية تحقيق أحلامه.
ففي النهاية، لا يمكن لأي مجتمع أن يمنع أبناءه من الرحيل بالقوانين وحدها، وإنما يقنعهم بالبقاء حين يجعل الوطن مكانا تستحق الأحلام أن تشيد فيه، لا مكانا يشعرون أنهم مضطرون إلى الهروب منه بحثا عن فرصة للنجاة.
*صحافية وباحثة في قضايا الإعلام


