فرضت محاولات الهجرة الجماعية الأخيرة إعادة النظر في طبيعة التعاون المغربي الأوروبي في ملف الهجرة والأمن، بعدما أظهرت الحاجة إلى مقاربة تتجاوز التعامل مع الأزمات بعد وقوعها. والانتقال إلى شراكة استراتيجية تعيد ترتيب أولويات الأجندة المشتركة. تقوم على تجاوز منطق “إدارة تدفقات الهجرة” إلى بناء قدرة مشتركة على “إدارة المخاطر والاستباق والانذار المبكر”، وفق ما أكده عبد الرزاق كبوري، أستاذ التعليم العالي ومدير المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.
وقال كبوري، في رده على أسئلة “سفيركم”، إن هذه الأحداث ينبغي ألا تقرأ من زاوية الهجرة والأمن فقط. مذكرا بأن المفوضية الأوروبية أكدت، يوم 14 غشت، أن الاتحاد الأوروبي يولي أهمية كبيرة لشراكته مع المغرب، ووصفتها بأنها “عريقة وشاملة وعميقة”. كما جددت رغبتها في استئناف المفاوضات بشأن اتفاق جديد للشراكة في مجال الصيد البحري المستدام في أقرب فرصة ممكنة.
وأكد كبوري أن هذا المعطى أظهر أن العلاقات المغربية الأوروبية تقوم على “شبكة متعددة من المصالح والاعتماد المتبادل”. وبالتالي فإن ملف الهجرة، رغم مركزيته، لا يختزل العلاقة بين الطرفين.
وتوقع كبوري أن تنتقل الشراكة في مجال الهجرة من مجرد إدارة التدفقات إلى إدارة المخاطر. عبر تعزيز الرصد المبكر، وتبادل المعلومات، وتحليل الشبكات، ومكافحة الاتجار بالبشر، وتطوير التعاون التكنولوجي.
وشدد في المقابل على أن هذا التعاون ينبغي أن يظل جزءا من شراكة متعددة القطاعات تشمل الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا والصيد البحري والتنمية.
وأوضح أن هذا التصور يندرج ضمن ما يعرف في العلاقات الدولية بـ”الاعتماد المتبادل المركب”. حيث لا توجد قضية واحدة تختزل العلاقة بأكملها. وكلما تعددت مجالات التعاون، ازدادت قدرة الطرفين على إدارة الخلافات داخل إطار أوسع من المصالح المشتركة.
الهجرة تتحول إلى رأسمال سياسي وتفاوضي
وبخصوص المكاسب التي يمكن للمغرب تحقيقها من موقعه كشريك أساسي لأوروبا في ملف الهجرة. اعتبر أستاذ التعليم العالي أن المكسب الأهم يتمثل في تحويل الدور الذي راكمه المغرب في مجال الهجرة والأمن إلى “رأسمال سياسي واستراتيجي وتفاوضي”.
وأوضح أن قوة الدولة في العلاقات الدولية لا تتحدد فقط بمواردها. وإنما أيضا بموقعها داخل شبكات الاعتماد المتبادل وقدرتها على التأثير في القضايا التي تعتبرها الأطراف الأخرى استراتيجية.
وقال إن الهجرة أصبحت بالفعل من هذه القضايا بالنسبة إلى أوروبا. غير أن القوة التفاوضية المغربية “لا ينبغي أن تبنى على ملف الهجرة وحده، بل على تعدد مجالات الشراكة”.
وأشار إلى أن وصف الاتحاد الأوروبي للشراكة مع المغرب بأنها “عريقة وشاملة وعميقة” اكتسب أهمية خاصة. لأن المغرب، وفق المتحدث، ليس مجرد شريك في إدارة الهجرة، وإنما طرف في شبكة أوسع من المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية والاستراتيجية.
وأكد أن المكسب الحقيقي لا يتمثل في الحصول على مقابل مباشر لكل تعاون أمني. وإنما في رفع القيمة الاستراتيجية للمغرب داخل الشراكة الأوروبية.
خبرة الهجرة بوابة لتوسيع التعاون
وأشار مدير المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية إلى أن المغرب يستطيع توظيف تجربته المؤسساتية في مجال الهجرة لتعزيز التعاون مع أوروبا في الأمن وتبادل المعلومات والتكنولوجيا ومكافحة الجريمة المنظمة. بالتوازي مع تطوير الهجرة النظامية والتعاون التنموي.
وأضاف أن الاستباق يظل مرتبطا، ولو بصورة مكملة، بالسياسات التنموية والمجالية. بما في ذلك تقليص بعض التفاوتات وتعزيز تكافؤ الفرص.
غير أنه شدد على عدم اختزال ظاهرة الهجرة في العامل الاقتصادي أو الاجتماعي. باعتبارها ظاهرة أكثر تعقيدا من أن تفسر بعامل واحد.
من تدفقات الهجرة إلى ملف أمني ورقمي وجيوسياسي
واستشرف كبوري انتقال الهجرة، خلال المرحلة المقبلة، من مجرد ملف تدفقات إلى “ملف أمني ورقمي وجيوسياسي متكامل”. حيث أوضح أن قدرة الدولة على تحليل البيانات، وفهم الشبكات، ورصد مؤشرات التعبئة، والتدخل قبل تشكل الأزمة. ستصبح جزءا من قدرتها على حماية أمنها ومصالحها.
وأكد أن هذا التحول يستدعي تطوير السياسة العمومية المغربية من مجرد القدرة على الاستجابة إلى القدرة على التوقع والتكيف. من خلال بناء منظومة دائمة للإنذار المبكر تجمع المعطيات الأمنية والاجتماعية والقانونية. وتربط بين المؤسسات، بدل التعامل مع كل بعد من أبعاد الظاهرة في عزلة عن الآخر.
الداخلية والعدل
وفي هذا السياق، رأى كبوري أن التوزيع التواصلي بين وزارة الداخلية ووزارة العدل يمكن فهمه باعتباره مؤشرا على اتجاه أوسع في السياسة العمومية. يقوم على “مقاربة قانونية لا تنفصل عن مقتضيات الأمن”. حيث أوضح أن الداخلية تفسر منطق التدبير والوقاية وحماية النظام العام. فيما تضيف العدالة لغة القانون والحقوق والمسؤولية والالتزامات.
واعتبر أن هذا التوازن سيكتسي أهمية أكبر في المرحلة المقبلة، خصوصا مع احتمال انتقال شبكات التعبئة من الفضاءات الرقمية العلنية إلى فضاءات أكثر غموضا. ما يجعل التحدي لا يقتصر على مراقبة الحدود المادية، بل يمتد إلى فهم البيئة الاجتماعية والرقمية التي تسبق الحدث.
وأكد أن السياسة العمومية المغربية ستكون مطالبة بالانتقال من منطق الاحتواء إلى القدرة الاستباقية. عبر رصد المؤشرات قبل تحولها إلى تعبئة. وتفكيك الشبكات قبل تحولها إلى تنظيم ميداني، وتفعيل القانون دون فصل الأمن عن الحقوق.
المغرب أمام فرصة لتغيير موقعه داخل الشراكة الأوروبية
وفي الوقت نفسه، دعا كبوري إلى توظيف هذا التراكم في علاقة المغرب بالاتحاد الأوروبي على أساس شراكة متوازنة. وقال إنه إذا كانت أوروبا تنظر إلى المغرب باعتباره شريكا أساسيا في إدارة مخاطر الهجرة والأمن. فإن بإمكان الرباط الانتقال من موقع الاستجابة إلى موقع المشاركة في تعريف الأجندة وصياغة الحلول.
وأكد أن “الرهان الاستراتيجي الحقيقي” لا يتمثل في أن يصبح المغرب مجرد طرف أكثر فعالية في منع محاولات العبور. بل أن يصبح طرفا أكثر تأثيرا في تحديد قواعد الحكامة المتوسطية للهجرة والأمن.
وأشار إلى أن هذا الطموح يستند إلى مجموعة من العناصر التي يمتلكها المغرب، من بينها موقعه الجغرافي الاستراتيجي. وتجربته المؤسساتية المتراكمة، وخبرته الأمنية، وسياساته العمومية متعددة الأبعاد في مجال الهجرة. فضلا عن شراكته الأوروبية التي تتجاوز ملف الهجرة نفسه.
وتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة انتقالا من منطق ضبط التدفقات إلى منطق صناعة السياسات. ومن إدارة الأزمة إلى إدارة المخاطر، ومن الاستجابة إلى الاستباق. ومن موقع الفاعل المنفذ إلى موقع الشريك المؤثر.
الرهان يتجاوز منع العبور
وشدد كبوري على أن القيمة الحقيقية للتجربة المغربية لا تكمن فقط في قدرتها على منع الأزمة من الوصول إلى المعابر والمناطق الفاصلة مع سبتة ومليلية المحتلتين. وإنما في قدرتها على قراءة الأزمة قبل تشكلها، وتنسيق مؤسساتها في مواجهتها. وحماية سيادتها في إطار القانون، ثم تحويل موقعها وخبرتها إلى قوة تفاوض وتأثير داخل الشراكة المغربية الأوروبية.
وخلص إلى أن الرهان الاستراتيجي الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة يتمثل في ألا يظل المغرب مجرد فاعل في إدارة نتائج الهجرة. بل أن يتحول إلى فاعل في صياغة قواعد إدارتها ومستقبلها في غرب المتوسط.


