بقلم: عبدالباقي اليوسفي
بمناسبة الذكرى السادسة والخمسين لتأسيس المنظمة الماركسية اللينينية المغربية «إلى الأمام»، أود أن أحيي بكل تقدير وإجلال جميع المناضلات والمناضلين الذين كرّسوا شبابهم وطاقاتهم وحياتهم للدفاع عن قناعاتهم ومبادئهم وأحلامهم. وأقف بكل خشوع أمام أرواح الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لإيمانهم بما ناضلوا من أجله، كما أستحضر بكل احترام أولئك الذين واجهوا القمع والتعذيب والسجن والملاحقة، وتحملوا مخاطر جسيمة، وهم يدركون أن الطريق الذي اختاروه قد يكلّفهم حريتهم، بل وحتى حياتهم.
إن استحضار هذه الذكرى لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة لاستعادة الماضي أو لتكريم مناضلي الأمس، بل يجب أن يكون أيضًا لحظة للتأمل الصريح في تجربتهم، بما لها وما عليها، وفي النجاحات والإخفاقات التي عرفتها. فالأمانة تجاه هؤلاء المناضلين لا تعني فقط تمجيد شجاعتهم وتضحياتهم، وإنما تعني كذلك امتلاك الشجاعة الفكرية والسياسية للوقوف عند أخطاء الماضي واستخلاص الدروس الضرورية منها.
وتكتسي هذه المراجعة أهمية أكبر في اللحظة الراهنة، ونحن نرى اليسار المغربي يعيش حالة من التشتت والانقسامات والصراعات التي لا تبدو، في كثير من الأحيان، مرتبطة بخلافات فكرية أو سياسية حقيقية، بقدر ما أصبحت مرتبطة بالصراع حول المواقع والمسؤوليات، وبروز نزعات شخصية و«الأنا» المفرطة، وأحيانًا بغياب الممارسة الديمقراطية داخل التنظيمات نفسها.
إن الاختلاف في الرؤى والمواقف ليس عيبًا، بل هو أمر طبيعي وضروري لأي حركة يسارية حية. فاليسار الذي لا يعرف الاختلاف ولا يسمح بتعدد الآراء سرعان ما يتحول إلى تنظيم مغلق على نفسه. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف السياسي والفكري إلى صراع شخصي، أو إلى تنافس على المواقع، أو إلى تصفية حسابات، أو عندما تصبح الطموحات الفردية أقوى من المشروع الجماعي.
ومن أهم الدروس التي ينبغي أن نستخلصها من تاريخنا أن الديمقراطية يجب أن تبدأ من داخل تنظيماتنا وأحزابنا. فلا يمكن لليسار أن يناضل من أجل الديمقراطية في المجتمع، وهو عاجز عن ممارستها داخل صفوفه. والديمقراطية تعني احترام الرأي المخالف، والقدرة على الاستماع والنقاش، وقبول النقد، والاحتكام إلى المؤسسات، وتداول المسؤوليات، وجعل المصلحة الجماعية فوق المصالح والطموحات الفردية.
كما أننا في حاجة إلى إعادة الاعتبار للنقاش الفكري والسياسي الحقيقي. فالاختلافات لا ينبغي أن تكون سببًا للقطيعة والعداء، وإنما يمكن أن تكون مصدر قوة إذا تمت إدارتها بروح ديمقراطية وبهدف الوصول إلى فهم أفضل للواقع وبناء مشاريع أكثر نضجًا. إن ما يضعف اليسار ليس وجود الاختلاف، وإنما عجزه عن تحويله إلى نقاش سياسي وفكري منتج.
إن تكريم الشهداء والمناضلين الذين سبقونا يفرض علينا مسؤولية أخلاقية وسياسية. فتضحياتهم لا ينبغي أن تختزل في ذكرى سنوية أو في كلمات مؤثرة، بل يجب أن تدفعنا إلى طرح سؤال أساسي على أنفسنا: ماذا بقي في ممارساتنا اليوم من القيم النبيلة التي حملها أولئك المناضلون؟ ماذا بقي من روح التضحية، ومن الإخلاص للقضية، ومن التضامن، ومن الشجاعة، ومن تقديم المصلحة الجماعية على المصالح الشخصية؟
إن وحدة اليسار لا تعني التطابق أو إلغاء الاختلافات. فالوحدة الحقيقية تعني القدرة على العيش المشترك رغم اختلاف الآراء، وعلى النقاش دون تمزيق الصفوف، وعلى ممارسة النقد دون إقصاء، وعلى بناء فضاء سياسي تكون فيه الأفكار والمشاريع أهم من الأشخاص، وتكون فيه المسؤوليات وسيلة لخدمة المشروع الجماعي، وليست غاية في حد ذاتها.
ولعل هذه من أهم الدروس التي ينبغي أن نستخلصها من هذه التجربة الطويلة. إن الوفاء لمن ضحوا بحريتهم وشبابهم وحياتهم لا يكون فقط بتذكر أسمائهم وتمجيد تضحياتهم، وإنما أيضًا بالقدرة على الاستفادة من تجربتهم، بكل ما تحمله من دروس، والعمل على تجاوز الأخطاء التي أضعفت مسيرتنا.
في هذه الذكرى السادسة والخمسين، أنحني إجلالًا أمام أرواح جميع المناضلات والمناضلين الذين واجهوا الاستبداد والقمع، وأمام أرواح الشهداء الذين قدموا حياتهم من أجل قناعاتهم وأحلامهم. وأتمنى أن تكون هذه الذكرى مناسبة تتجاوز مجرد الاحتفاء بالماضي، لتصبح لحظة للتأمل والنقد الذاتي والمراجعة الجماعية، ولطرح سؤال المستقبل: كيف يمكن أن نبني يسارًا مغربيًا أكثر ديمقراطية، وأكثر تضامنًا، وأكثر وفاءً للقيم التي ضحى من أجلها من سبقونا؟
فأفضل وفاء لمناضلي الأمس ليس أن نكرر كلماتهم، وإنما أن نتعلم من تجربتهم، وأن نمتلك الشجاعة لتصحيح أخطائنا، وأن نجعل من المشروع الجماعي والمصلحة العامة فوق كل المواقع والطموحات الشخصية، وأن نعمل من أجل يسار قادر على استعادة ثقة الناس، وعلى أن يكون في مستوى التحديات التي يواجهها مجتمعنا اليوم.


