عاد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، خلال الحفل الديني الذي ترأسه الملك محمد السادس، أمس الاثنين، بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، استحضار شخصية الإمام سيدي محمد بن سليمان الجزولي وكتابه “دلائل الخيرات”. في كلمة تضمنت إشارات تاريخية إلى علاقة المغاربة بالمدن المحتلة وأدوار التصوف في التعبئة والمقاومة.
وكان لافتا في حديث التوفيق وصفه “دلائل الخيرات” بأنه كان “شعار المغاربة في تعبئتهم لتحرير المدن المحتلة على المحيط الأطلسي”. وهي العبارة التي تفتح، وفق الأستاذ والباحث في التصوف سعيد رحيم، أكثر من باب لقراءة خلفيات هذا الاستحضار ودلالاته. خاصة في ظل عودة قضية سبتة إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي.
وقال رحيم، في تصريح لموقع «سفيركم»، إن القراءة الأولى لكلام الوزير يمكن أن ترتبط مباشرة بسياق قضية سبتة. معتبرا أن استحضار «دلائل الخيرات» في علاقته بالتعبئة لتحرير المدن المحتلة قد يحمل «تذكيرا ضمنيا» بالأراضي المغربية المحتلة.
وأشار الباحث في التصوف المغربي إلى أن هذا المعنى يزداد حضورا بالنظر إلى استدعاء الوزير. في السياق نفسه، لشخصية القاضي أبي الفضل عياض، صاحب كتاب «الشفا»، والذي وُلد بمدينة سبتة.
ويرى رحيم أن الجمع بين استحضار الجزولي و«دلائل الخيرات» من جهة، وأبي الفضل عياض وسبتة من جهة أخرى. يمنح الكلام حمولة تاريخية تتجاوز مجرد الاستشهاد بشخصيات علمية وصوفية بارزة في تاريخ المغرب.
وأضاف المتحدث أن الحديث عن «دلائل الخيرات» باعتباره شعارا للتعبئة من أجل تحرير المدن المحتلة. يجعل من المشروع طرح سؤال حول ما إذا كان هذا الاستحضار يحمل رسالة مرتبطة بالمدن المغربية التي لا تزال خاضعة للإدارة الإسبانية.
بين سبتة والذاكرة التاريخية
ويعتبر الباحث أن أهمية كلام التوفيق لا تكمن فقط في الأسماء التي استحضرها. وإنما في الطريقة التي جرى بها الربط بين الذاكرة الدينية والتاريخية للمغاربة، وبين مفهوم تحرير المدن المحتلة.
وفي هذا السياق، يرى رحيم أن الإشارة إلى أبي الفضل عياض، المولود في سبتة، إلى جانب الجزولي و«دلائل الخيرات». تسمح بقراءة الخطاب من زاوية استعادة الذاكرة المغربية المرتبطة بالمدينة. خصوصا أن سبتة عادت خلال الفترة الأخيرة إلى دائرة النقاش حول العلاقات المغربية الإسبانية وقضية السيادة.
قراءة ثانية.. التصوف بين التحرر والدروشة
وفي مقابل القراءة المرتبطة بسبتة والمدن المحتلة، يطرح رحيم قراءة ثانية تنطلق من العمق الصوفي لكلام وزير الأوقاف. فاستحضار الإمام الجزولي وكتاب «دلائل الخيرات» يعيد، بحسب الباحث. طرح سؤال التصوف المغربي ووظيفته التاريخية، خصوصا أن الكتاب لم يكن مجرد مؤلف في الصلاة على النبي. وإنما ارتبط أيضا بمراحل من التاريخ المغربي وبالذاكرة الجماعية للمغاربة.
ويرى رحيم أن استحضار الدور التعبوي للكتاب في مواجهة الاحتلال يمكن أن يشكل مناسبة لإعادة التفكير في واقع الخطاب الصوفي بالمغرب. وفي المسافة التي تفصل بعض مظاهره الحالية عن جوهر التصوف الذي تأسس على التربية والتزكية ومجاهدة النفس.
ويقول الباحث إن الحقل الصوفي المغربي يعرف، في تقديره، «فوضى عارمة». في ظل انتشار ما وصفه بمدعين ودجالين ابتعدوا عن جوهر التصوف. فضلا عن بروز ما سماه «بزنيس التصوف» وانتحال المشيخة من دون سند صحيح.
هل يحتاج الخطاب الصوفي إلى مراجعة؟
ويذهب رحيم إلى أن استحضار «دلائل الخيرات» في سياق الحديث عن التعبئة والتحرير قد يكون. إذا كان مقصودا من الوزير، فرصة لمراجعة بعض جوانب السياسة العمومية المرتبطة بالتصوف والخطاب الديني.
ويعتبر الباحث أن المطلوب هو استعادة «الروح التحررية الأصيلة» للتصوف. وتوجيهه نحو بناء الإنسان وتربيته وتزكيته، بعيدا عن اختزاله في المظاهر والطقوس أو تحويله إلى وسيلة للوجاهة الاجتماعية وتحقيق المكاسب المادية.
ويشدد سعيد رحيم على أن التصوف، في تصوره، لا ينبغي أن يكون «طقس خنوع واستسلام». وإنما ممارسة روحية تقوم على مكابدة النفس ومجاهدة حظوظها. وعلى بناء علاقة أكثر عمقا بين الإنسان والقيم الأخلاقية والدينية.
كما يرى المتحدث أن إعادة الاعتبار إلى التصوف تقتضي التصدي للممارسات التي تسيء إليه، سواء تعلق الأمر بالدروشة أو الشعوذة أو استغلال حاجة الفقراء والمريدين. مع استعادة جوهره القائم على التربية والتزكية والانضباط الروحي.
التصوف كفعل مقاومة
ويذهب رحيم أبعد من ذلك، معتبرا أن استحضار الدور التاريخي لـ«دلائل الخيرات» في التعبئة ضد الاحتلال. يذكّر بأن التصوف المغربي لم يكن دائما منفصلا عن قضايا المجتمع والإنسان والأرض.
ومن هذه الزاوية، يرى الباحث الصوفي أن التصوف يمكن أن يُقرأ باعتباره فعلا من أفعال المقاومة. ليس فقط بمعناها العسكري أو السياسي المباشر، وإنما باعتباره مقاومة للهيمنة والظلم والاستلاب، ومجاهدة للذات ولحظوظ النفس.
وبحسب الباحث، فإن إعادة استحضار هذا الجانب من تاريخ التصوف قد تساهم في إعادة بناء خطاب صوفي أكثر ارتباطا بقضايا الإنسان والمجتمع. وأبعد عن الاستعراض والمظاهر والادعاءات.


