بقلم: عمر لبشيريت
هل يسمح الدستور المغربي بتأجيل الانتخابات؟ نعم، يمكن أن يوجد سند دستوري للتأجيل في حالة استثنائية، وعلى رأسه الفصل 59، لكن الدستور لا يمنح سلطة مفتوحة لتعليق الانتخابات لمجرد وجود ظرف سياسي أو اجتماعي أو إداري. والشرط الجوهري في الفصل 59 هو وجود تهديد لحوزة التراب الوطني أو أحداث تعوق السير العادي للمؤسسات الدستورية. وهذا يعني أن الأصل الدستوري هو احترام المدة والاستحقاق الانتخابي، ولا يمكن ببساطة تأجيل الانتخابات بقرار إداري عادي.
طيب، نحن لا نعيش تهديدات كما ينص على ذلك الفصل 59، كما أننا لا نعيش حالة حصار، كما يشير إلى ذلك الفصلان 49 و74.
لكن هناك تهديدًا آخر، له علاقة بـ”تهديد مشروعية التمثيل الديمقراطي”. كيف ذلك؟
لنتأمل المشهد على بُعد أقل من شهر من اقتراع 23 شتنبر: غياب مبارزة انتخابية سليمة وفق برامج واضحة، وإعادة تدوير حوالي 90 في المائة من «نخب» البرلمان الحالي بطريقة فجة، وعمليات سرقة وخطف للمرشحين، وحديث متواتر عن «حسم» مسبق لاتجاهات التصويت، وبيع وشراء التزكيات، و«ميركاتو» متواصل للمرشحين فقدت معه الانتخابات كثيرًا من قيمها، فضلًا عن الحديث عن شبهة استعمال المال منذ الآن، و”ترغيب” و”ترهيب” للمرشحين حسب اعتراف مسؤولين كبار في الدولة، توزيع و”تتريك” الوازرات منذ الآن…
هذا التشخيص تعترف به الأحزاب قبل غيرها، وتتهم بعضها البعض باقترافه، وتوثق ذلك في بياناتها وتصريحاتها.
هل يمكن القول إننا نتجه نحو موعد 23 شتنبر والقلق، و”الشبهة”، والفضيحة، والاستياء، والاستهجان، والاشمئزاز، يحيط بالعملية الانتخابية برمتها؟.
نعم، لا مجال لإخفاء رؤوسنا في الرمال. المواطنون يعلمون ذلك، والأحزاب تعلم، والمرشحون يعلمون ذلك. نحن أمام عملية تجميل بشعة وفاشلة لمجلس النواب الحالي، ويُخشى أن تكون نسبة المشاركة في أدنى مستوياتها بفعل ما يقع.
فهل تتوفر اليوم الشروط التي تجعل الانتخابات انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، كما يشترط الدستور؟
السؤال ليس ترفًا سياسيًا، ولا محاولة لتشويه العملية الانتخابية قبل بدايتها، وإنما يستمد مشروعيته من الدستور نفسه.
فالفصل 11 من دستور المملكة يحسم المسألة بوضوح، عندما ينص على أن: «الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي».
وهنا بالضبط تبدأ المشكلة. إذا كانت الانتخابات تستمد مشروعيتها من حريتها ونزاهتها وشفافيتها، فماذا يحدث عندما تتحول المنافسة السياسية إلى مجال للمال الانتخابي، وشراء الأصوات، واستعمال النفوذ، وشحن الناخبين، والتنافس غير الشريف، بل وحتى الحديث عن «بيع التزكيات»؟
هل تبقى المسألة مجرد مخالفات متفرقة يعاقب عليها القانون؟ أم أننا نكون أمام خلل أعمق يمس جوهر العملية الديمقراطية نفسها؟
ألسنا أمام تهديد يواجه «مشروعية التمثيل الديمقراطي» كما ينص على ذلك الفصل 11 من الدستور؟
أليس هذا التهديد ضارًا بالعملية الديمقراطية وما قد يترتب عنها من مؤسسات دستورية؟ ألا يشبه هذا التهديد “حالة الاستثناء” ويهدد سمعة ومصالح ومستقبل البلد؟
الدستور لا يعتبر النزاهة تفصيلًا. واللافت في الفصل 11 أنه لا يتحدث عن النزاهة باعتبارها قيمة أخلاقية أو توصية سياسية، بل يجعل الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة «أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي».
وهذه العبارة ذات أهمية كبيرة. فالمؤسسة المنتخبة لا تستمد شرعيتها فقط من كون صناديق الاقتراع فُتحت في الموعد المحدد، وأن الناخبين أدلوا بأصواتهم، وأن النتائج أُعلنت في نهاية اليوم الانتخابي.
المشروعية، وفق المنطق الدستوري، مرتبطة أيضًا بالطريقة التي جرت بها العملية الانتخابية.
ولهذا السبب بالذات، لا يكتفي الفصل 11 بالنص على حرية ونزاهة وشفافية الانتخابات، وإنما يلزم السلطات العمومية وكافة الأطراف أن يلتزموا بقواعد النزاهة والصدق والشفافية حتى تعكس الانتخابات “مشروعية التمثيل الديموقراطي”.
فإذا أصبحت التزكية الحزبية نفسها محل مساومة مالية، أو إذا كان المرشح يُختار بناءً على قدرته على الإنفاق بدلًا من كفاءته السياسية وقدرته على تمثيل المواطنين، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بيوم الاقتراع وحده.
إنه يتعلق بالسلسلة الانتخابية برمتها:
من يختار المرشح؟ وبأي معايير؟ ومن يدفع؟ ولمن يدفع؟ ومن يملك القدرة المالية على دخول المنافسة؟ وهل أصبح المال شرطًا للترشح ووسيلة لشراء النفوذ السياسي؟
وإذا صحت الادعاءات المتداولة حول وجود مبالغ تُطلب مقابل الحصول على التزكية، فإن الأمر يستحق تحقيقًا جديًا وشفافًا، لا مجرد تبادل الاتهامات بين الفاعلين السياسيين.
هل يمكن، في هذه الحالة، تأجيل الانتخابات؟ الدستور لا ينص على أن شراء الأصوات أو فساد المنافسة الانتخابية يؤدي تلقائيًا إلى تعليق الانتخابات. كما أن الفصل 59، الذي ينظم حالة الاستثناء، لا يمكن استعماله بسهولة لهذا الغرض.
لكن ذلك لا يلغي السؤال الأخطر:
ماذا لو أصبحت هذه الممارسات واسعة ومنهجية إلى درجة تجعل إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة أمرًا متعذرًا؟
هنا ننتقل من سؤال “هل نؤجل الانتخابات؟” إلى سؤال أعمق:
هل يمكن أن تكون هناك مشروعية ديمقراطية حقيقية لانتخابات تفتقد شروط المشروعية التي حددها الدستور نفسه؟
هنا فقط يمكن أن يصبح النقاش حول التأجيل أكثر جدية؛ ليس باعتباره عقوبة للناخبين أو للأحزاب، ولا باعتباره وسيلة لإعادة ترتيب الخريطة السياسية، وإنما باعتباره خيارًا استثنائيًا لا يُلجأ إليه إلا إذا أصبح إجراء انتخابات نزيهة وشفافة متعذرًا، وبوجود أساس دستوري وقانوني واضح ومحدد.
هل المناخ الانتخابي الحالي سيسمح بإفراز مؤسسات تتمتع بـ«مشروعية التمثيل الديمقراطي» كما ينص على ذلك الفصل 11 من الدستور؟
فالأسوأ من تأجيل انتخابات لأسباب قانونية استثنائية هو إجراء انتخابات في موعدها، ثم اكتشاف أن جزءًا كبيرًا من إرادة الناخبين قد جرى تشكيله بالمال أو الضغط أو النفوذ.
عندها لن تكون المشكلة في تأجيل الانتخابات. المشكلة ستكون في الانتخابات نفسها.
لذلك، فإن السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه هو أن المغرب لا يحتاج إلى انتخابات لمجرد القول إنه أجرى انتخابات. المغرب يحتاج إلى انتخابات تنتج تمثيلًا ديمقراطيًا حقيقيًا.
فالدستور نفسه وضع المعادلة بوضوح: انتخابات حرة + انتخابات نزيهة + انتخابات شفافة = مشروعية التمثيل الديمقراطي.
وعليه، فإن أي حديث عن المال الانتخابي، وشراء الأصوات، وبيع التزكيات، والتنافس غير الشريف، والضغوطات،لا ينبغي أن يُختزل في مناوشات حزبية أو في تبادل الاتهامات.
إذا كانت مجرد حالات فردية، فالقانون يجب أن يعاقب أصحابها. أما إذا تحولت إلى ظاهرة واسعة ومنهجية، فإن الدولة مطالبة بأن تتعامل معها باعتبارها مسألة تمس مشروعية العملية الديمقراطية برمتها.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا، بل ضروريًا: هل الأولوية هي احترام موعد الانتخابات مهما كانت الظروف، أم احترام الدستور الذي جعل من نزاهة الانتخابات وشفافيتها أساسًا لمشروعية المؤسسات المنبثقة عنها؟
إنه سؤال لا يتعلق بحزب أو مرشح، وإنما بمستقبل الاختيار الديمقراطي نفسه.


