بقلم: ثريا لحرش
لماذا يدفع المرشحون والمرشحات مقابل الحصول على تزكية الحزب؟ هذا السؤال لم يعد هامشيًا، خصوصًا مع تنامي الحديث عن مبالغ مالية تُطلب من الراغبين والراغبات في الحصول على تزكية الحزب ليكونوا وكلاء للوائح، وما أصبح يُعرف في التداول العام بـ«بيع التزكيات».
وتزكية وكيل أو وكيلة اللائحة ليست سلعة ولا خدمة تجارية، وإنما هي قرار سياسي وتنظيمي يفترض أن يخضع لمساطر ومعايير شفافة، تحددها المقررات الحزبية، وتخضع للنقاش داخل الهيئات والأجهزة الحزبية، وتحسم فيها المؤتمرات والمجالس الوطنية، باعتبارها من أعلى الهيئات التقريرية في الأحزاب الديمقراطية، وذلك في إطار احترام الديمقراطية الداخلية وضمان تكافؤ الفرص بين المناضلين والمناضلات.
وتزداد أهمية هذه التزكية بالنظر إلى أن ترتيب المرشحين والمرشحات داخل اللائحة له أثر مباشر على فرص النجاح؛ فوجود المرشح أو المرشحة في المراتب الأخرى يجعل حظوظ الفوز شبه منعدمة في عدد كبير من الدوائر. ولذلك تصبح صفة وكيل أو وكيلة اللائحة، عمليًا، الموقع الأكثر حظًا للوصول إلى المقعد الانتخابي، ومحط عراك ومنافسة غير مقننة بين الراغبين والراغبات في الظفر بها، بدل أن تكون نتيجة لمساطر واضحة ومعايير معلنة تحكمها الديمقراطية الداخلية والاستحقاق السياسي.
ومن هنا، فإن تحويل هذه التزكية إلى مقابل مالي يطرح إشكالًا حقيقيًا يتجاوز مجرد الحديث عن مبلغ يُطلب من مرشح أو مرشحة. فهو قد يجعل القدرة المالية معيارًا للوصول إلى موقع انتخابي يفترض أن تحكمه الكفاءة والاستحقاق والنضال السياسي، ويعزز بذلك التمييز وعدم تكافؤ الفرص بين المناضلين والمناضلات.
إن دفع مقابل مالي للترشح كوكيل أو وكيلة لائحة يضع المناضل أو المناضلة، اللذين قضيا سنوات في الانتماء إلى الحزب، وتدرجا في المسؤوليات والتمثيلية الحزبية، وقدما العطاء والتزما بالانضباط، في موقف ضعف أمام من تتوفر له الإمكانيات المادية، ولم يخطُ قدمه يومًا داخل مقر الحزب، ثم يحصل على بطاقة الحزب والتزكية للترشح.
وهنا يفرض نفسه سؤال أساسي: لماذا تمول الدولة الأحزاب السياسية من المال العمومي؟
فالأحزاب ليست مجرد تنظيمات تشتغل فقط خلال فترات الانتخابات، وإنما أُسندت إليها، بموجب الدستور، أدوار أساسية في تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين. ولذلك وضع المشرع إطارًا قانونيًا لتمويل الأحزاب ومراقبة مواردها ونفقاتها.
والدعم العمومي للأحزاب لا يقتصر على منحة واحدة، بل يشمل أشكالًا متعددة، من بينها الدعم السنوي المخصص للأحزاب وفق الشروط القانونية، ومساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية، إضافة إلى أشكال أخرى من الدعم المنصوص عليها قانونًا، مع إخضاع هذه الموارد والنفقات للمراقبة والتدقيق.
كما أن الدولة تخصص للأحزاب، بمناسبة الاستحقاقات الانتخابية، مساهمات مالية للمساعدة في تغطية نفقات الحملات الانتخابية وفق القواعد المحددة قانونًا. وهذا يعني أن المال العمومي حاضر في مختلف مراحل العمل الحزبي والانتخابي، وليس فقط عند لحظة الاقتراع.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كانت الدولة تخصص من المال العام موارد للأحزاب حتى تتمكن من القيام بأدوارها السياسية، وتدبير أنشطتها، والمشاركة في الانتخابات وتمويل حملاتها الانتخابية، فلماذا يُطلب من المرشحين والمرشحات، فوق ذلك، دفع مقابل مالي للحصول على تزكية الحزب ليكونوا وكلاء للوائح؟
ما الغاية إذن من التمويل العمومي إذا كانت القدرة المالية يمكن أن تصبح شرطًا للوصول إلى موقع الترشح الأكثر حظًا في الفوز؟
إن التمويل العمومي للأحزاب يفترض أن يساهم في دعم الحياة السياسية، وتوسيع المشاركة، وتعزيز تكافؤ الفرص، وتشجيع المساواة، وضمان إمكانية وصول مختلف الفئات الاجتماعية إلى قبة البرلمان، بما يتيح لها المساهمة في التشريع وصياغة قوانين عادلة ومنصفة وشاملة، ومعبرة عن هموم المواطنات والمواطنين وانتظاراتهم.
ومن ثم، فإن تحويل تزكية وكلاء اللوائح إلى مقابل مالي يطرح تناقضًا واضحًا مع هذه الغاية، لأنه قد يجعل القدرة المالية عائقًا أمام وصول فئات ومناضلين ومناضلات إلى المؤسسات المنتخبة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى إلغاء التمويل العمومي للأحزاب، وإنما بضرورة طرح سؤال الشفافية والمساءلة: كيف تُصرف الأموال التي تحصل عليها الأحزاب من المال العام؟ وما هي المعايير التي تحكم منح التزكيات؟ وهل يمكن أن يصبح المال معيارًا في اختيار من يمثل الحزب في الانتخابات؟
فالمناضل أو المناضلة الذي قضى سنوات في العمل الحزبي، وراكم تجربة وحضورًا ونضالًا، لا ينبغي أن يجد نفسه في موقع أدنى من شخص آخر لمجرد أنه يملك قدرة مالية أكبر.
إن تكافؤ الفرص داخل الأحزاب ليس مسألة شكلية، بل هو جزء من الديمقراطية الداخلية نفسها. وإذا كانت الأحزاب تؤدي دورًا دستوريًا في تأطير المواطنات والمواطنين وتعزيز مشاركتهم في الحياة الوطنية، فإن أبوابها ينبغي أن تكون مفتوحة أمام الكفاءات والاستحقاق والنضال، لا أمام من يستطيع دفع المقابل المالي الأكبر.
وإذا استمر تحويل تزكية وكلاء اللوائح إلى مقابل مالي، فقد نصل، بشكل ساخر ومؤلم في آن واحد، إلى أن يصبح من الممكن للأحزاب أن تغلق المقرات الحزبية طوال الولاية، ثم تفتحها عند محطة الانتخابات، مع تعليق قائمة الأسعار بكل شفافية: هذا هو ثمن التزكية، وهذا هو ثمن أن تكون وكيلًا أو وكيلة للائحة.
وإذا كان الحال سيستمر على هذا الوضع، فلماذا لا نغلق المقرات الحزبية ونختصر الطريق؟ ترسل لنا الأحزاب، عند كل محطة انتخابية، إعلانات تشبه إعلانات الفضاءات التجارية: اسم الدائرة، وبجانبه المقابل المادي للحصول على تزكية وكيل أو وكيلة اللائحة.
وبذلك نكون قد اختصرنا كل النقاش حول الاستحقاق والكفاءة والنضال والديمقراطية الداخلية وتكافؤ الفرص، وحولنا التزكية إلى منتج انتخابي له سعر معلن.
وفي المقابل، نترك شبابنا وشاباتنا يبحثون عن «الحريك»، بدل أن نشجعهم على الانخراط في الشأن العام والمساهمة في بناء مستقبل بلدهم.
فكيف نطلب من الشباب والشابات أن يثقوا في المؤسسات السياسية، وأن ينخرطوا في الأحزاب، وأن يؤمنوا بأن المشاركة السياسية طريق للتغيير، بينما يرون أن المال يمكن أن يصبح بوابة للوصول إلى التزكية والمقعد البرلماني؟
إننا لا نحتاج إلى مزيد من العزوف عن السياسة، وإنما نحتاج إلى أحزاب تفتح أبوابها للكفاءات والمناضلين والمناضلات، وتعيد الاعتبار للسياسة باعتبارها خدمة للشأن العام، لا سوقًا للتزكيات.
فالانتخابات ينبغي أن تكون مجالًا للتنافس في البرامج والكفاءة والاستحقاق، لا مجالًا للتنافس في القدرة على الدفع. وتزكية وكيل أو وكيلة اللائحة ينبغي أن تكون نتيجة لمساطر ومعايير واضحة وشفافة، تقرها المؤسسات الحزبية وتناقشها هيئاتها التقريرية، لا سلعة لها ثمن.


