لم تعد الشهادة الجامعية بالنسبة إلى عدد من شباب مدينة آسفي جوازا مضمونا نحو سوق الشغل، بل تحولت لدى بعضهم إلى ورقة تضاف إلى ملف طويل من طلبات التوظيف والمباريات التي لا تنتهي.
ففي الوقت الذي يحمل فيه هؤلاء الشباب أحلاما بسيطة تتعلق بعمل مستقر ودخل يضمن لهم حياة كريمة، يجد كثيرون أنفسهم أمام خيارين صعبين، القبول بأي عمل، مهما ابتعد عن تخصصهم، أو مغادرة المدينة بحثا عن فرصة قد لا تكون أفضل حالا.
في مدينة آسفي، تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحا في قصص شباب أمضوا سنوات في الدراسة وحصلوا على شهادات جامعية، قبل أن يجدوا أنفسهم في مهن لم يخططوا يوما لممارستها.
من بين هؤلاء نجد زكرياء، الحاصل على الإجازة في القانون العام، والذي يبلغ من العمر 31 عاما. اجتاز عدة مباريات بحثا عن وظيفة تتناسب مع تكوينه الدراسي، غير أن محاولاته لم تكلل بالنجاح، ليجد نفسه في نهاية المطاف مضطرا إلى العمل داخل مخبزة صغيرة في المدينة، مقابل أجر شهري لا يتجاوز 3000 درهم،حسب قوله.
لم يكن العمل في المخبزة جزءا من مخطط زكرياء عندما اختار دراسة القانون، لكنه بالنسبة إليه أفضل من البقاء دون أي دخل.
فالشاب الذي يفكر اليوم في الزواج وتكوين أسرة، يجد نفسه أمام واقع يجعل هذه الخطوة أكثر صعوبة،إذ لا يتوفر على مسكن مستقل ولا على دخل شهري كاف يمكنه من تحمل تكاليف الحياة وبناء مستقبل خاص به.
يقول زكرياء في تصريح لصحيفة سفيركم ، “إنه فكر في مغادرة آسفي بحثا عن فرصة عمل أفضل، بل جرب فكرة العمل في مدن كبرى مثل الدار البيضاء، غير أن حسابات الواقع كانت أقوى من رغبته في الرحيل”.
فالراتب الذي يمكن أن يحصل عليه في مدينة أخرى قد يذهب جزء كبير منه إلى الكراء والتنقل ومصاريف المعيشة، وهو ما يجعله في النهاية أمام معادلة صعبة.
لذلك اختار البقاء في المدينة التي رأى النور بها ، حيث يعيش مع والديه في منزل الأسرة ولا يتحمل مصاريف الكراء، معتبرا أن راتب 3000 درهم، رغم محدوديته، يتيح له الاحتفاظ بجزء من دخله ومحاولة ادخار ما يستطيع من أجل المستقبل.
قصة زكرياء لا تبدو استثناء داخل المدينة، فهناك شباب آخرون وجدوا أنفسهم أمام المصير نفسه، ومن بينهم فاطمة، الحاصلة على الإجازة في الجغرافيا، إلى جانب مجموعة من الديبلومات الأخرى.
ورغم مسارها الدراسي، لم تتمكن فاطمة من العثور على عمل يتناسب مع مؤهلاتها، فاضطرت إلى الالتحاق بأحد معامل تصبير السمك في المدينة، حيث تعمل لساعات طويلة في ظروف لا تشبه الصورة التي كانت تتخيلها يوما عندما كانت تواصل دراستها.
تبدأ فاطمة عملها في حدود الساعة الثامنة صباحا وفق تصريحاتها لمنبر سفيركم، ولا تنتهي ساعات عملها عادة قبل العاشرة ليلا، بينما تمتد فترة العمل إلى ساعات متأخرة أكثر عندما تكون كميات السردين المصطاد كبيرة أو خلال فترات وفرة الصيد المسموح بها. ويظل يوم الأحد يوم عطلتها الوحيد.
وبالنسبة إلى فاطمة، فإن الاستمرار في هذا العمل ليس اختيارا بين عدة فرص، بقدر ما هو ضرورة تفرضها الحاجة إلى الدخل. تقول فاطمة وهي شابة لاتتجاوز 22 عاما،إن توقفها عن العمل في تصبير السمك يعني ببساطة أنها قد لا تجد حتى المال الكافي لبعض احتياجاتها اليومية.
إلى جانب زكرياء الذي يحمل شهادة في القانون ويعمل في مخبزة، وفاطمة التي درست الجغرافيا وتعمل في قطاع تصبير السمك، تظهر صورة أوسع لشباب وجدوا أنفسهم يعملون بعيدا عن تخصصاتهم، لا لأنهم تخلوا عن أحلامهم، وإنما لأن سوق الشغل لم يمنحهم فرصة حقيقية لتحويل سنوات الدراسة إلى مسار مهني مستقر وناجح.
المشكلة، كما يرويها هؤلاء الشباب، لا تتعلق فقط بالحصول على وظيفة، بل بغياب فرص عمل قادرة على منحهم الحد الأدنى من الاستقرار. فالشاب الذي يقضي سنوات في الجامعة، ثم يجد نفسه بعد التخرج أمام أجر محدود أو عمل مؤقت، سرعان ما يصطدم بأسئلة أكبر من مجرد “أين سأعمل؟”.
كيف يمكن لشاب في بداية الثلاثينات أن يفكر في الزواج دون دخل مستقر؟ وكيف يمكنه استئجار منزل في مدينة أخرى إذا كان راتبه لا يكفي لتغطية الكراء والتنقل والطعام؟ وكيف يمكن لحامل شهادة جامعية أن يواصل البحث عن عمل في تخصصه بينما تتراكم عليه متطلبات الحياة اليومية؟
هذه الأسئلة أصبحت جزءا من حياة عدد من شباب آسفي كما هو عليه الحال في مدن أخرى من المملكة المغربية، خصوصا أولئك الذين يجدون أنفسهم أمام خيار مغادرة المدينة أو البقاء فيها وقبول أعمال لا تمت بصلة إلى تكوينهم الأكاديمي.
وبينما يواصل بعض الشباب إرسال سيرهم الذاتية واجتياز المباريات وانتظار فرصة عمل قد تأتي أو لا تأتي، يختار آخرون دخول سوق الشغل بأي طريقة ممكنة. بالنسبة إليهم، العمل في مخبزة أو مصنع أو ورشة يظل أفضل من البطالة، حتى وإن كان المقابل المادي لا يعكس سنوات الدراسة والجهد الذي بذلوه.
ولا تتوقف تداعيات هذه الوضعية عند الجانب المهني، بل تمتد إلى الحياة الاجتماعية نفسها. فغياب الدخل المستقر وتأخر الاستقلال المادي يجعلان تكوين أسرة بالنسبة إلى عدد من الشباب مشروعا مؤجلا، فيما يتحول العيش مع الوالدين من اختيار عائلي إلى ضرورة قصوى،لذلك يبقى السؤال مطروحا حول قدرة مدينة آسفي على توفير بيئة اقتصادية تستوعب أبناءها، خصوصا حاملي الشهادات الذين يفترض أن يكونوا جزءا من دينامية التنمية المحلية.
اليوم،زكرياء وفاطمة ليسا سوى نموذجين من بين نماذج كثيرة لشباب درسوا وحصلوا على شهادات، لكنهم اصطدموا بسوق شغل لا يمنحهم دائما فرصة في المجال الذي اختاروه.
خديجة اسويس (صحافية متدربة)


