لم تعد معركة حسم اللوائح الجهوية المخصصة للنساء في الانتخابات التشريعية المقبلة تمر بهدوء داخل عدد من الأحزاب. بعدما تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى واحدة من أكثر نقاط التوتر في مسلسل التزكيات.
فبينما بدا حسم عدد من وكلاء اللوائح المحلية أكثر سلاسة، ظلت أسماء وكيلات اللوائح الجهوية رهينة بتوازنات دقيقة وحسابات حزبية ومجالية متشابكة. وصلت في بعض الجهات والدوائر إلى بروز اعتراضات وانسحابات واتهامات.
التزكيات النسائية تتحول إلى معركة حول النفوذ والتوازنات الحزبية
وتكشف التطورات التي شهدتها بعض الجهات خلال الأيام الماضية أن النقاش حول اللوائح الجهوية للنساء. لم يعد محصورا في اختيار أسماء نسائية لتمثيل الأحزاب في البرلمان. بل أصبح مرتبطا أيضا بصراع حول التوازنات داخل الجهات والأقاليم. ومن يحظى بثقة القيادة الحزبية، ومن يمتلك القدرة على التأثير في القرار الانتخابي.
والمفارقة أن هذه اللوائح أُحدثت أساسا بهدف تعزيز حضور المرأة داخل المشهد السياسي، وفتح المجال أمام تمثيلية نسائية أكبر داخل المؤسسة التشريعية. بعدما عجزت الأحزاب السياسية في مراحل سابقة عن فرض ترشيحات نسائية قادرة على ضمان حضور أقوى للنساء في البرلمان. غير أن الطريقة التي يتم بها تدبير هذه اللوائح. تثير اليوم أسئلة حول ما إذا كانت قد أصبحت تؤدي أدوارا تتجاوز الغاية التي أحدثت من أجلها.
فلماذا أصبح حسم اللوائح الجهوية للنساء أكثر صعوبة من حسم عدد من وكلاء اللوائح المحلية؟ ولماذا تحولت في عدد من الجهات إلى عنصر خلخلة للتوافقات الحزبية، ومصدر لانسحابات واعتراضات واتهامات؟ وهل يتعلق الأمر فقط بصعوبة التوفيق بين الحسابات الانتخابية والمجالية، أم أن هذه اللوائح أصبحت جزءا من صراعات النفوذ داخل الأحزاب؟
شريفة لموير: اللوائح الجهوية للنساء تحولت إلى ريع سياسي
في هذا السياق، ترى الدكتورة شريفة لموير، عضو مركز شمال إفريقيا للدراسات والبحوث وتقييم السياسات العمومية، ودكتورة باحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية. أن ما نشهده اليوم في شأن اللوائح الجهوية للنساء يعكس كيف تحولت هذه الآلية التي ترمي إلى تعزيز حضور المرأة داخل المشهد السياسي. من خلال تخصيص هذه اللوائح بعد أن عجزت الأحزاب السياسية في فرض ترشيحات نسائية، إلى ريع سياسي.
وتوضح لموير في تصريح لموقع “سفيركم” أن الأحزاب السياسية عوض اختيار أسماء مرشحاتها من خلال الكفاءة. أصبح يحكم عملية الاختيار منطق الولاءات والقرابة العائلية، وهو ما أدى إلى احتداد النقاش لدى العديد من الأحزاب السياسية حول هذه اللوائح.
وتضيف الباحثة والمحللة السياسية، أن منطلق الأحزاب السياسية كان يعتمد في كثير من الأحيان على اعتماد أسماء لها امتداد شعبي معين. أو من خلال إعطاء تزكياتها للأعيان للظفر بمقاعد انتخابية، غير أنه في شأن الترشيحات النسائية يتم الاحتكام إلى المحاباة في إعطاء التزكيات.
وبناء على ذلك، تقول لموير إن هذا المنطق الذي أصبحت تعتمد عليه الأحزاب السياسية أنتج “أحزاب عائلات”. تدعم مرشحاتها بناء على القرابة العائلية. وفي ذات الوقت تهمش الكفاءات الحزبية، وهو ما جعل الجدل يحتدم مع اقتراب الموعد الانتخابي القادم حول الطرق التي تعتمدها الأحزاب السياسية لاختيار مرشحاتها.
ومع هذا الجدل، ترى الباحثة أن اللوائح التي سنت من أجل تقوية الحضور النسوي أصبحت آلية تترجم الريع السياسي. بعيدا عن تأدية دورها المحوري.
ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة مسألة المعايير التي تعتمدها الأحزاب في اختيار مرشحاتها. ومدى قدرتها على تحقيق الغاية الأساسية من هذه اللوائح، خصوصا في ظل تصاعد التنافس حول التزكيات وما يرافقه في بعض الحالات من اعتراضات وانسحابات وتوترات داخلية.
وبذلك، لم يعد السؤال مرتبطا فقط بمن ستقود اللائحة الجهوية للنساء، وإنما أيضا بكيفية اختيارها، وما إذا كانت التزكية تستند إلى الكفاءة والاستحقاق والمسار الحزبي. أم إلى الولاءات والقرابة والحسابات الانتخابية والمجالية. وهو ما يجعل المعركة حول اللوائح الجهوية للنساء واحدة من أبرز الاختبارات التي تواجه الأحزاب قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.


