بقلم: ثريا لحرش
أسفرت الانتخابات السابقة عن نتائج لصالح ثلاثة أحزاب: التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال.
مثَل قادة الأحزاب الثلاثة أمام الشعب المغربي، في مشهد من التحاب والتضامن والتآخي، والتقطت لهم الصحافة صورة طريفة.
غضب بعض القادة وقالوا: «ما يمكنش… وحنا فين حقنا؟». وربما لم تُنطق هذه العبارة صراحة، لكن بعضهم رفض الاصطفاف إلى جانب المعارضة، وتطلّع إلى تعديل وزاري يخوّله هو الآخر الحصول على حقيبة.
والله إن بعض الأحزاب «دّاخت» في خطابها.
والمهم أن المغرب عرف أحزاباً كانت تُوسم بالوطنية، ثم أفقنا يوماً لنجدها قد صُنّفت في خانة الأحزاب التقليدية، وهي في حقيقتها أسماء تختزل شطراً من تاريخ هذا البلد.
وحين نتحدث عن الأحزاب الوطنية، فإنما نتحدث عن رموز الحركة الوطنية، وعن رجال ونساء ارتبطت أسماؤهم بها، وبحزب الاستقلال، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والاتحاد الاشتراكي، من أمثال سيدي علال الفاسي، وعبد الله إبراهيم، وأحمد بلافريج، وعمر بن عبد الجليل، وأحمد الشرقاوي، وأبي بكر القادري، وعبد الرحيم بوعبيد، والمهدي بن بركة، ومليكة الفاسي، وسيدي لحبيب الفرقاني، وشيخ الإسلام مولاي العربي العلوي، ومنصور، والوديع الآسفي، وثريا السقاط، ونوبير الأموي، والحليمي، وغيرهم كثيرون وكثيرات.
ولا يستقيم الحديث عن هذه المرحلة دون استحضار الملك محمد الخامس، الذي واكب الحركة الوطنية، وتابع خطوات تأسيس حزب الاستقلال، وأيّد نشأته، وأقرّ مضامين وثيقة المطالبة بالاستقلال.
وعرفت هذه الأحزاب انقسامات ناجمة عن تباين وجهات النظر، وعن تأثيرات خارجية، وعن أمور أخرى يجهل أغلبنا تفاصيلها. فمن عاش تلك الانقسامات يدرك أن جزءاً من الحقيقة ظل مطوياً، حبيس الأسرار.
غير أن ما يعنيني في هذه المرحلة هو أنه، على الرغم من الاختلاف، وعلى الرغم من كل الأطروحات الحزبية، وعلى الرغم من تباين مواقف الأحزاب الوطنية مع النظام في بعض القضايا، فإنها لم تكن يوماً تُضمر العداء للوطن.
كانت كلمة «الوطن» لا تفارق ألسنة القيادات الوطنية.
وكانت لهذه الكلمة دلالتها ووزنها.
تنتمي إلى حزب، تنتمي إلى وطن.
تنتمي إلى نقابة، تنتمي إلى وطن.
تنتمي إلى جمعية، تنتمي إلى وطن.
الوطنية لا تُقدَّر بثمن، ولا ننتظر منها مقابلاً.
الوطنية واجبك أمام الوطن، وأمام الله.
لا أراضي، لا فيلات، لا «فيرمات».
لماذا؟
لأن حب الوطن لا يُقدَّر بثمن.
وكانت الأحزاب الوطنية، رغم بياناتها النارية، تُلقّن مناضليها، في المحافل الدولية، أن يدافعوا عن قضاياهم بأنفسهم، وأنهم في غنى عن أي سند خارجي.
وكانت تحظى بثقة الشعب المغربي، بحكم مشروعيتها.
وكانت هذه الأحزاب تستمد قوتها من مناضليها ومتعاطفيها، الذين كانوا يُعدّون بالملايين، لا من ملايين الأموال التي كدّسها أفراد معدودون، ولا من حفنة ممن راكموا الثروات.
وكانت لها أذرع فعلية من نقابات وجمعيات وشبيبات، وقيادات ومناضلون قادرون على تأطير المجتمع.
ولذلك لجأ المغاربة إلى هذه الأحزاب: لمصداقيتها، ولأذرعها الفعلية، ولحظوتها بثقة الشعب بحكم مشروعيتها.
ولمّا دخل المغرب مرحلة عصيبة في تسعينيات القرن الماضي، اطّلع المرحوم الحسن الثاني على تقرير للبنك الدولي تضمّن أرقاماً ومعطيات مقلقة عن وضعية الإدارة والمؤسسات والاقتصاد الوطني، فهزّته تلك الحقائق إلى درجة أن وصف، في خطابه أمام البرلمان سنة 1995، الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد بـ«السكتة القلبية».
وكان التوجه، بعدها، إلى الأحزاب الوطنية نابعاً من كونها تنظيمات ذات تأثير، لها امتدادات حقيقية داخل المجتمع، وقادرة على الاضطلاع بدور في الحوار وتأطير المواطنين، تمهيداً لما عُرف لاحقاً بحكومة التناوب التوافقي.
أما اليوم، فإننا أمام مشهد مغاير تماماً.
فزعماء الأحزاب الثلاثة التي تصدرت الانتخابات، والذين ظهروا في صورة واحدة متحابين متضامنين، أصبحوا اليوم متخاصمين متبارزين، يتبادلون السباب.
وبات كل واحد منهم ينعت الآخر بـ«الفراقشي»، بعدما تفككت أغلبيتهم.
ولا أريد أن يُفهم من حديثي عن الأحزاب الوطنية، أو من استحضاري لحزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، أنني أصطف اليوم إلى جانب أحدهما، وإن كنت أكنّ التقدير لكثير من أصدقائي المنتمين إليهما.
إنما أتحدث عن طبيعة الأحزاب المغربية اليوم، وعن تشابهها في الخطاب والممارسة والتنظيم.
فقد غدت بعض المقرات الحزبية فخمة، تنتصب في أحياء راقية، بأثاث أنيق ومكاتب واسعة، لكنها نائية عن الفئات الشعبية التي كان الحزب يعيش بين ظهرانيها ويتحرك وسطها.
مقرات موصدة الأبواب، يقف على أبوابها حراس، وتعمل فيها كاتبات ومديرون.
والقيادات السياسية بعيدة المنال عن الناس، يفصل بينها وبين المواطنين حجاب سميك.
والكل يحاكي الكل في المظاهر، وفي أسلوب العيش، وفي هيئة المقرات، وفي لغة الخطاب، وفي الممارسة والتنظيم، حتى غدا التشابه بين الأحزاب أكبر من الاختلاف بينها.
أين هو المواطن من الحزب؟
أين هو الشاب الذي يريد أن يناقش ويقترح وينتقد؟
أين هي الأحياء الشعبية من هذه الأحزاب؟
وأين هي الاجتماعات المفتوحة التي كان المواطن يستطيع أن يلجها، ويحاور المناضلين والقيادات، ويطرح أسئلته وهمومه؟
إن السؤال اليوم لا يتعلق بحزب بعينه.
السؤال موجه إلى الأحزاب المغربية كلها:
ماذا جرى للعلاقة بين الحزب والمجتمع؟
ومتى أصبح الحزب بعيداً عن المواطن، بدل أن يكون قريباً منه؟
في كل الديمقراطيات، تقدّم الحكومات، وقت الانتخابات، حصيلتها أمام المواطنين.
وهذه فرصتكم لتقديم حصيلتكم للشعب المغربي.
ويجب على الحكومة أن تقدّم الحساب أمامنا.
ندين تسريب «الأوديو»، فهو سلوك مرفوض ومنبوذ.
«لالا نادية»، مبروك وزارة المالية، لكن عليها أن تقدّم حصيلة تجربتها الحالية، وتخبرنا بما أنجزته فعلاً.
لا نريد أن تجرّونا إلى نقاش «الأوديو».
ماذا فعلتم بالتعليم العمومي؟
وكم باتت كلفة تعليم الأبناء والبنات تستنزف من أجور الآباء والأمهات؟
هل أصبح المواطن المغربي يستفيد فعلاً من رعاية صحية جيدة، في ظروف تحفظ كرامته؟
هل أصبح السكن اللائق في متناول المواطن؟
أين هي فرص الشغل للنساء والشباب؟
وأين وصل ملف المتقاعدين، العسكريين والمدنيين؟
وأين الزيادات التي وعدتم بها، من أجل تحسين أوضاعهم والتخفيف عنهم من ضنك العيش؟
علاش غلا اللحم؟
وشنو وقع لقطاع الغنم؟
وعلاش غلات الأضحية؟
وشنو وقع للدعم العمومي الموجّه للفلاحة ولتربية الماشية؟
كيفاش تصرف هاد الدعم؟ وفين وصل أثره؟
وإذا تم استيراد القطيع، فأين هو؟ وأين أثره على السوق وعلى المواطن؟
كيفاش وعلاش غلات الخضرة؟
كيفاش وعلاش غلا المازوط؟
كيفاش وعلاش غلا الماء والضو؟
وعلاش غلات تذكرة القطار؟
أما السمك، فلا نتحدث عنه.
هذه هي أسئلة المواطن.
إننا نرفض أن تُلقّنوا أبناءنا وبناتنا أن خيانة الأمانة، وتسريب ما يدور داخل المجالس، والوشاية بما يُقال في الاجتماعات المغلقة، يمكن أن تكون ممارسة سياسية.
ما وقع ليس اختلافاً في الرأي، ولا نقداً سياسياً، ولا شجاعة في مواجهة المسؤولين.
إنه سقوط في أخلاق الممارسة السياسية، وانتهاك لحرمة المجلس وأمانته.
لا نريد لأبنائنا وبناتنا أن يتعلّموا أن السياسة تعني التجسس على المجالس، وتسجيل ما يقال فيها، ثم تسريبه إلى العموم.
السياسة أخلاق قبل أن تكون مواقع ومقاعد ومناصب.
ومن لا يحفظ أمانة المجلس، كيف نأتمنه على أمانة الوطن؟
السياسة مسؤولية.
والحزب ليس محطة عبور.
والانتخابات ليست صفقة.
والوطن ليس غنيمة.
وإذا كانت عندكم إنجازات لم نرها، فألف مرحباً.
غير ما تكذبوش علينا


