بقلم: مريم أبوري
شهدت حلبة ( رولان غالوس) المواجهة الأولى بين المرشحين السبعة البارزين لانتخابات الرئاسة لعام 2027، خلال مناظرة استضافها اتحاد أرباب العمل الفرنسس( MEDEF). وتناول هذا التبارز ملفات اقتصادية، شملت كلا من الدين العام، و النظام الضرائبي، و نظام التقاعد، وسوق العمل.
بخصوص الدين العام والعجز المالي، تباينت الحلول بين معسكر يدعو إلى تخفيض الدين الوطني ،و تقليص الإنفاق العام، و الاستثمار في النمو، وآخر يرى الحل في فرض ضرائب جديدة على الثروات والشركات.
أما بخصوص سوق العمل وإصلاح نظام التقاعد قد برز تباين فرق كذلك بين تيار يطالب بإلغاء التعديلات الأخيرة وخفض سن التقاعد لاعتبارات اجتماعية، و تيار يصر على تمديد ساعات العمل، و رفع السن القانوني لضمان التوازنات المالية.
وظهر جليا الصراع في سياسات الضريبة بين اتجاه يسعى لإلغاء التعقيدات البيروقراطية وتخفيض المساهمات الاجتماعية، و اتجاه يطالب فرض ضرائب تصاعدية لمحاربة التفاوت الاجتماعي.
و حسب استطلاعات الرأي الصادرة عن المؤسسات الفرنسية الكبيرة مثل Ifop وElabe وOdoxa)، يظهر تفاوت واضح في حظوظ الكتل السياسية الرئيسية :
يتصدر أقصى اليمين ، الذي يمثله حزب التجمع الوطني بزعامة فعلية لماري لوبان، الموقف بنسبة مريحة تترواح بين 30% و34%؛ حيث نجحت استراتيجيته للخطاب الاقتصادي المطمئن و تبني المرونة تجاه رجال الأعمال والقطاع الخاص في تبديد مخاوف الطبقة الوسطى و أصحاب الأعمال الصغيرة. بينما يواجه معسكر الوسط الذي يمثل التكتل الرئاسي، تفتتا بين مرشحين رئيسيين: فإدوار فيليب، يحظى بنسبة 16% إلى 19% معتمدا على خطابه الداعي للحزم المالي و العمل على جذب اليمين التقليدي ورجال الأعمال. و يلاحقه جابرييل أتال بنسبة 12% إلى 15% معتمدا على دعم الشباب له والشركات الصغيرة و الناشئة وطرحه لـتحويل الأجور الصافية.
أما أقصى اليسار الذي يمثله حزب فرنسا الأبية بزعامة جان لوك ميلانشون، فيتصدر اليسار بنسبة 14.5% إلى 16%، حيث ثبت قاعدة شعبية و صلبة بناها عبر الهجوم المباشر على أرباب العمل. و يحقق الاشتراكيون برئاسة رافايل جلوكسمان ما بين 9% و 11% بفضل الخطاب البيئي والإصلاحي الموجه للنخبة المثقفة، ساعيا لتقديم نفسه كبديل للاستقطاب بين ميلوشو و لوبن.
أما الجمهوريون بقيادة برونو ريتاليو، قد حصلوا على 8% إلى 10%، بطرح يركز على محاربة البيروقراطية، الأمر الذي وجد قبولا لدى كبار المستثمرين لكنه دفع جزءا من قواعده الشعبية نحو الالتحاق بلوبن.
و إذا أردنا أن نقيم مقارنة بين الرؤى الاقتصادية لهذه التيارات كما جاءت في المناظرة ؛ فأقصى اليمين بقيادة مارين لوبان، يتبنى خطة تقليص عجز المالية بالاعتماد على توفير 125 مليار أورو عبر خفض النفقات الحكومية دون المساس بالخدمات الأساسية. وبخصوص نظام التقاعد، يطالب بتخفيض سن التقاعد إلى 60 سنة لمن بدأوا العمل قبل سن الـ 20، مع اعتماد 42 سنة من الاشتراكات تدريجياً للوصول للتقاعد عند سن 62. و جعلت لوبن من أولوياتها التركيز على خفض التكاليف المرتبطة بالهجرة ودعم القوة الشرائية عبر تخفيض الضرائب على المحروقات والطاقة. وقد ظهرت لوبن أكثر اعتدالا كي تسحب البساط من خصومها وتقدم حزبها التجمع الوطني كبديل منقذ لفرنسا مما تعيشه سياسيا و اقتصاديا.
أما رؤية حزب الأفاق بقيادة إدوار فيليبي ، فبخصوص الدين العام لقد انتقد بشدة فكرة إلغاء الدين مؤكداً على ضرورة الصرامة المالية، واقترح إدراج “قاعدة ذهبية” في الدستور لتقييد العجز الحكومي. و شدد على أن الفرنسي يجب أن “يعمل أكثر ولفترة أطول” ورفع سن التقاعد لضمان توازن صندوق التقاعد. أما بخصوص النظام الضريبي، فقد دعا إلى خفض كبير على ضرائب الإنتاج لدعم تنافسية الشركات.
ويدعو حزب ” فرنسا الأبية” الممثل لأقصى اليسار بقيادة جان لوك ميلانشون، لتجاوز أزمة الدين إلى التركيز على إعادة توزيع الثروة، و إلغاء جزء من الدين العام الذي يملكه البنك الأوروبي وإلغاء المساعدات الحكومية للشركات التي لا تلتزم بشروط بيئية واجتماعية. وفرض ضرائب تصاعدية على أرباح الشركات الكبرى والثروات، وتجميد اسعار المواد الأساسية. وبخصوص نظام التقاعد، يطالب بـإلغاء إصلاح التقاعد والعودة إلى التقاعد في سن 62 عاما كمرحلة أولى للوصول لسن 60. وقد تبنى خطاب التحذير من الركود.
أما رافايل جلوكسمان الذي يمثل الاشتراكيين، فقد انتقد إدارة حكومات ماكرون للدين العام ، داعيا إلى الموازنة بالعدالة الاجتماعية والدفاع عن الاستقلال الأوروبي. و إدخال إصلاحات في نظام التقاعد تراعي العدالة الاجتماعية وتوازن القطاعات. وتوجيه الإيرادات الضريبية لدعم الخدمات العامة وتحسين القدرة الشرائية للطبقات العاملة والتضامن الاجتماعي واقترح فرض ضريبة زوكمان على أصحاب الثروات والشركات الكبرى. وقد حاول رغم تشت الحزب الاشتراكي، تقديم نفسه كبديل لقطبية (ميلانشون – لوبان).
وعن حزب النهضة ، المعسكر الرئاسي دافع غابرييل أتال عن الاستقرار المالي وخفض العجز تدريجياً دون زيادة الضرائب على الطبقات المتوسطة. وبخصوص التقاعد فقد دافع عن الإصلاحات الأخيرة واقترح نظام تقاعد عالمي (نظام النقاط) يعتمد أكثر على مدة الاشتراك مع إدخال جزء من الادخار. و بخصوص العمل دعا إلى تشجيعه من خلال تحفيز الأجور وخفض أعباء الإنتاج على الشركات.
وقد مثل حزب الجمهوريين في المناظرة رئيس الحزب برونو ريتايو، الذي ركز بخصوص المالية العامة والوظيفة العمومية، على خفض الإنفاق الحكومي بشكل حاد عبر إلغاء 250,000 إلى 300,000 وظيفة في القطاع العام وتمرير الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتسهيل الإدارة. واقترح بخصوص التقاعد ربط سن التقاعد تلقائياً بمتوسط العمر المتوقع للفرنسيين وذلك لضمان التوازن المالي. ودعا إلى تقليل البيروقراطية والنفقات الاجتماعية وضبط الهجرة خفضاً للتكاليف.
• وآخر مشاركة في المناظرة التلفزية كانت لمارين توندلييه عن حزب الخضر، وقد ربطت المنافسة الاقتصادية بالتحول البيئي وضخ الاستثمارات في الطاقات المتجددة، والاقتصاد الدائري. وطالبت بإلغاء إصلاح التقاعد الأخير وتوفير حياة كريمة للمتقاعدين. وبخصوص النظام الضريبي مع الدعوة إلى حضر الإعلانات التي تروج للاستهلاك الضار بالبيئة، وفرض ضرائب على التلوث والمؤسسات الأكثر إضراراً بالمناخ.
لم تسفر المناظرة الأولى عن حسم سياسي يذكر، إذ فشلت في تبديد تشاؤم الشارع السياسي الفرنسي، كما لم تكن مقنعة لرجال الأعمال في ظل غياب استراتيجية اقتصادية واضحة ومحددة لدى مختلف الأحزاب المتبارزة.
و على صعيد موازين القوى، أظهرت استطلاعات الرأي بعد المناظرة، احتفاظ لوبين بقاعدة انتخابية صلبة تعزز حظوظها في تصدر الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية. و في المقابل،كشفت المناظرة عن عمق الانقسام داخل التكتل الحاكم، مما يضعف فرصه في تقديم جبهة موحدة للفرنسيين. كما اتضحت الفجوة الكبيرة في الطروحات الاقتصادية بين أقصى اليسار الذي يتكئ على الإنفاق والحماية الاجتماعية، و اليمين، الذي يعتمد نهج الانضباط المالي وتخفيف الأعباء عن الكاهل الضريبي للشركات .
و اخيرا، قد كشفت المناظرة الأولى أن الكتل الرئيسية تدخل ساحة المبارزة والصراع ” ب”ملوك ضعيفة” لا تقوى على استرجاع قوة فرنسا. فهل سنرى في الشهور القادمة، تحركات من أجل تحالفات تكتيكية وتصفية الخلافات لضمان العبور إلى الجولة الثانية؟!








