بقلم: لحسن العسبي
تشكل آلية الحق في الحصول على المعلومات وتفعيلها مدخلا من بين أهم المداخل لتحقق مبدأ الشفافية بالدول وترسيخ مبادئ أساسية من مبادئ حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا الضامنة لحق الأفراد في الوصول إلى امتلاك أسباب المشاركة في صناعة القرار المؤسساتي الجمعي، المحقق للنماء والتقدم في معناهما الشامل.. الأمر الذي جعل منظومة الحق في الحصول على المعلومات واحدة من الآليات المركزية لتقييم مدى انخراط الدول والحكومات ضمن واجبات “دولة المؤسسات” الديمقراطية والمنظومة الأممية للحكومات المنفتحة.
بالتالي أصبحت هذه الآلية الحقوقية واحدة من مجالات المطالب الإصلاحية سياسيا وجمعويا وحقوقيا بالعالم العربي كجزء من الجنوب المعولم. حيث بدأت تبرز أشكال هذه المطالبة بها منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، خاصة بعد أن أصبح حق الحصول على المعلومات المسنود بمرجعيات حقوقية عالمية واحدا من الشروط الواجبة لترتيب العلاقات بين الدول عبر مؤسسات عالمية مؤثرة في منظومة العلاقات الدولية (مؤسسات هيئة الأمم المتحدة، المؤسسات المالية الدولية، منظمات حقوق الإنسان العالمية).
لقد أصبح دفتر تحملات أشكال تنظيم العلاقات بين الدول يفرض وجوبا الإلتزام بآليات تدبيرية مؤسساتية حقوقية من ضمنها توفير “الحق في الحصول على المعلومات” الضامن للشفافية ولتجسير الثقة بين المواطن ومؤسسات بلده الإدارية.. على قدر ما يرسخ الثقة في السوق الصناعية والمالية والإنتاجية لأي بلد استنادا على توفر المعلومات الضرورية بشكل شفاف للجميع، الأمر الذي يعزز أسس الشراكة والثقة بينها، على القدر نفسه الذي يحقق شفافية السياسات العمومية كمطلب مجتمعي.
تتأسس روح منظومة الحق في الحصول على المعلومات في كل المرجعيات الحقوقية الدولية على مبدأ “الإتاحة” (المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948/ المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية/ المادة 10 من الإتفاقية الأروبية لحقوق الإنسان/ المادة 13 من الإتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان/ المادة 9 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب)، أي على سمو حق الإنسان في امتلاك المعلومات الميسر للمعرفة، المسهل لاتخاد القرار، المشجع على المشاركة في دورة الإنتاج المؤسساتية في معناها السياسي الشامل بمنطق المسؤولية والمحاسبة، المندرج ضمن التزامات مبادرة الحكومات المنفتحة التي أطلقها الرئيس الأمريكي الحسين باراك أوباما سنة 2011.
لم يشد العالم العربي ومجتمعاته عن هذا التوجه العالمي مطلبيا على مستوى بنى مجتمعه المدني (الأهلي) منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي، حيث ظلت تتوسع المطالب المجتمعية لتحقيق مبدأ “الحق في المعلومات”، الذي أفضى إلى تجاوب متباين حسب هذا القدر أو ذاك بناء على شروط المرجعيات الكونية الحقوقية بعدد من الدول العربية كأساس لمدى تحقق الأسباب الميسرة للشراكة داخليا وخارجيا وكذا تعزيز آليات الإصلاحات التدبيرية التي يفرضها تطور منظومة الاتصالات الحديثة والرقمنة المُسَهِّلَةُ أكثر لتبسيط المساطر الإدارية ومحاربة الفساد وتحقيق الشفافية الضامن لحماية الإستثمار الداخلي والخارجي. يهمنا منها هنا استعراض والمقارنة بين تجارب خمس منها هي:
المغرب/ الأردن/ تونس/ لبنان/ مصر.
علما أن واقع شفافية البيانات العمومية بالعالم العربي هو المدخل المركزي لترتيب دوله ضمن آلية الشراكة دوليا، ترجمانا لمدى تقدم بناها الإدارية التدبيرية. مع التنبيه وجوبا إلى أن آلية منظومة الحق في المعلومات ليست متحققة تشريعيا وقانونيا سوى في عدد قليل من الدول العربية وأن أغلبها تفتقر مؤسساتيا وسياسيا لهذه الثقافة الحقوقية (من الدول التي لا وجود فيها لهذه الآلية دستوريا أو مؤسساتيا حتى صيف 2026 نجد الجزائر، مصر، ليبيا، موريتانيا، السودان، اليمن، سلطنة عمان، الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية، قطر، البحرين، العراق، سورية.. بينما هناك تجربة جنينية في الكويت مع بداية النقاش مؤسساتيا لإصدار قانون تشريعي منظم لهذا الحق بكل من موريتانيا والعراق).
التجربة الأردنية بين الريادة والتطوير
يعتبر التراكم المتحقق في التجربة الأردنية مرجعيا في كامل تجارب منظومة الحق في الحصول على المعلومات بالعالم العربي بفضل كونه الأول من نوعه، منذ إصدار الحكومة القانون رقم 47 سنة 2007 تحت مسمى “قانون ضمان حق الحصول على المعلومات”، دون أن يكون له سند مخصوص بوضوح ضمن فصول الدستور الأردني. أي أنه كان قرارا تشريعيا صادرا عن مجلس الأمة (البرلمان)، سيتم تعديله سنة 2024 (مارس) بإضافة سبعة مواد جديدة إلى مواده العشرين السابقة، بعد موجة الإنتقادات التي وجهتها المنظمات الحقوقية والأحزاب السياسية إلى القانون رقم 47 ابتداء من سنة 2011، خاصة بعد انخراط الحكومة الأردنية رسميا في المبادرة الدولية للحكومات المنفتحة.
يستند قانون الحق في الحصول على المعلومات الأردني عمليا على مادتين من الدستور (15 و17) التي تنص على “الحق في الرأي والحرية” (المادة 15) وعلى “حق الأردنيين في مخاطبة السلطات العامة فيما ينوبهم من أمور شخصية أو فيما له صلة بالشؤون العامة بالكيفية والشروط التي عينها القانون” (المادة 17).
أقر ذات القانون رقم 47 إنشاء هيئة “مجلس المعلومات” المكلف رسميا بالإشراف على منح المعلومات للمواطنين الأردنيين مع تحديد سقف معالجة طلبات المعلومات في 30 يوما. وهي الهيئة التي تضم ممثلين رسميين من وزارات الداخلية والعدل والدفاع والمركز الوطني لحقوق الإنسان، لكن قراراته ليست ملزمة قانونيا (يصدر توصيات)، مع إمكانية الطعن في حالة الرفض أو عدم التجاوب لدى محكمة العدل العليا. الأمر الذي جعل قانون الحق في الحصول على المعلومات الأردني قبل تعديله سنة 2024 لا يتجاوز تنقيطه في التقييم الدولي الذي يعتمد سبعة معايير كبرى (أهمها الحق في طلب الحصول على المعلومات، الاستثناءات والرفض، الطعون، العقوبات والحماية، التدابير التشجيعية) 56 نقطة على 150، وهو تقييم جد متدني سالب.
يعود السبب في ذلك إلى ما اعتبر ([1]) انتقاصا من شروط الحق في الحصول على المعلومات خاصة:
- المادة 7 من القانون 47
- غياب آلية مدققة لتصنيف المعلومات
- غياب استراتيجية التنفيذ
- ضعف استقلالية مجلس المعلومات.
من الأعطاب المسجلة أيضا في تطبيق قانون الحق في الحصول على المعلومات بالأردن ضعف انخراط الإدارة في تفعيل آليات ضمان شروط ممارسة هذا الحق حيث لم تتجاوز نسبة تجاوب المؤسسات العمومية المعنية 30 %. ثم عدم توفير نموذج طلب المعلومات ورقيا أو إلكترونيا بالغالبية العظمى من المؤسسات العمومية المعنية. على أن من أكثر المواد التي أثارت وتثير نقاشا حقوقيا وقانونيا من قبل الفاعلين الأردنيين والمتابعين الأجانب المادة 13 من القانون رقم 47، المتعلقة بالإستثناءات، التي تنص بالحرف:
” المادة 13
مع مراعاة احكام التشريعات النافذة، على المسؤول ان يمتنع عن الكشف عن المعلومات المتعلقة بما يلي :
أ- الأسرار والوثائق المحمية بموجب أي تشريع اخر.
ب- الوثائق المصنفة على انها سرية ومحمية والتي يتم الحصول عليها باتفاق مع دولة اخرى.
ج- الأسرار الخاصة بالدفاع الوطني او امن الدولة، او سياستها الخارجية.
د-المعلومات التي تتضمن تحليلات او توصيات او اقتراحات او استشارات تقدم للمسؤول قبل ان يتم اتخاذ قرار بشأنها، ويشمل ذلك المراسلات والمعلومات المتبادلة بين الادارات الحكومية المختلفة حولها.
هـ- المعلومات والملفات الشخصية المتعلقة بسجلات الاشخاص التعليمية او الطبية او السجلات الوظيفية او الحسابات او التحويلات المصرفية او الاسرار المهنية.
و- المراسلات ذات الطبيعة الشخصية والسرية سواء كانت بريدية او برقية او هاتفية او عبر اي وسيلة تقنية اخرى مع الدوائر الحكومية والاجابات عليها.
ز- المعلومات التي يؤدي الكشف عنها الى التأثير في المفاوضات بين المملكة واي دولة او جهة اخرى.
ح- التحقيقات التي تجريها النيابة العامة او الضابطة العدلية او الاجهزة الامنية بشأن اي جريمة او قضية ضمن اختصاصها وكذلك التحقيقات التي تقوم بها السلطات المختصة للكشف عن المخالفات المالية او الجمركية او البنكية ما لم تأذن الجهة المختصة بالكشف عنها.
ط- المعلومات ذات الطبيعة التجارية او الصناعية او المالية او الاقتصادية والمعلومات، عن العطاءات او البحوث العلمية او التقنية التي يؤدي الكشف عنها الى الاخلال بحق المؤلف والملكية الفكرية او بالمنافسة العادلة والمشروعة او التي تؤدي الى ربح او خسارة غير مشروعين لاي شخص”.
شكلت تعديلات 2024 تطورا في تعزيز حق الحصول على المعلومات بالأردن، من خلال ترسيم بوضوح على الإدارة إلزامية:
- النشر الإستباقي
- فهرسة المعلومات وتنظيمها
- تعيين مكلفين في الإدارات بتلقي طلبات المعلومات والجواب عليها
- الإعتماد على الرقمنة بشكل مركزي في منح المعلومات (تجاوز معيقات الورقي).
مما يسجل في التجربة الأردنية ترجمانا لرسوخ القرار المركزي لتعزيز منظومة الحق في الحصول على المعلومات، مستوى التطوير المسجل ضمن رزنامة الإلتزامات المتعلقة بالبيانات المفتوحة المنشورة من قبل “مرصد البيانات المفتوحة”، حيث انتقل ترتيب الأردن الدولي من الرتبة 82 على 195 دولة إلى الرتبة 41 ما بين 2020 و2023، الذي يأتي بعد المغرب (الذي يحتل الرتبة الأولى عربيا) باحتلاله الرتبة 35 عالميا بعد أن كان يحتل المرتبة 41، ثم تأتي في الرتبة الثالثة تونس (72 عالميا)، ثم الكويت في الرتبة 138.
على أن من بين أهم التعديلات المدرجة ضمن قانون الحق في الحصول على المعلومات بالأردن سنة 2024، تلك المتعلقة بهيكلة “مجلس المعلومات” الذي أصبح يتشكل من:
- وزير الثقافة (رئيسا)
- مفوض المعلومات (نائبا للرئيس)
- أمين عام وزارة العدل
- أمين عام وزارة الداخلية
- مدير دائرة الإحصاء المركزية
- مدير التوجيه المعنوي في الجيش
- المفوض العام الأردني لحقوق الإنسان
- نقيب الصحفيين
- نقيب المحامين
- ممثلين اثنين عن منظمات المجتمع المدني
هنا يسجل توازن مؤسساتي ومرجعي أكبر مقارنة بهيكلة اللجنة ضمن القانون 47 لسنة 2007. مع تسجيل أيضا أن مطالب المنظمات الحقوقية والجمعوية الأردنية حول كل مواد قانون الحق في المعلومات بالأردن بعد تعديلات 2024 (مثل منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية “أرض”) تلح على جملة مطالب تطويرية تتحدد في:
- ضرورة الإفصاح عن المعلومات تأسيسا على شروط المعايير الدولية التي حددتها الأمم المتحدة
- إشكال التعارض بين هذا القانون وقوانين سرية المعلومات وحمايتها.
- تعزيز أكبر لتمثيلية منظمات المجتمع المدني
- إلزامية التنصيص على العقوبات في حال الرفض
- إشكال تحديد جهة الطعون فقط في “المحكمة الإدارية” مما يوجب آلية موازية للطعن في قرارات هذه المحكمة في حال الرفض وعدم القبول (أي الحق في الاستئناف).
التجربة التونسية تراجع حقوقي
تطرح التجربة التونسية إشكالا حقوقيا منذ صدور القرار الحكومي بحل “هيئة النفاذ إلى المعلومة” شهر غشت 2025 وإغلاق مقرها وإعادة إدماج جهازها الإداري في مهام إدارية أخرى. مما اعتبر تراجعا معيبا بمقاييس منظومة حقوق الإنسان العالمية، خاصة وأنها هيئة مستقلة مسنودة بفصل في الدستور التونسي منذ سنة 2014.
شكلت التجربة التونسية نموذجا متقدما على مستوى تقييم معايير منظومة الحق في الحصول على المعلومات لدورها في ضمان حق المواطنين والصحفيين في الوصول إلى المعلومات العمومية ومراقبة التزام الإدارات بالشفافية. حيث تعد تونس “من الناحية التاريخية ثاني الدول العربية في تقنين حق الوصول إلى المعلومات بموجب المرسوم رقم 41 لسنة 2011 الخاص بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية. ثم دستور 2014 الذي أكد في الفصل 32 منه على دور الدولة في ضمان الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة وإلى شبكات الإتصال، الذي شكل بدوره أساسا لوضع القانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 الذي تضمن عدة مقتضيات لتنظيم ممارسة هذا الحق من بينها إلزام الإدارات العمومية بترتيب وتحديث المعلومات القابلة للاستعمال ووضعها على ذمة العموم. وتدقيق مسطرة النفاذ إلى المعلومة بناء على طلب فيما يتعلق بتيسير إجراءات الإيداع والمواكبة واختصار الآجال وتوضيح مساطر الاستئناف والطعن. إلى جانب التوصية بتأسيس هيئة عمومية مستقلة للإشراف على إنفاذ الحق في المعلومة، قبلما يعيد دستور 2022 التأكيد على دور الدولة في ضمان الوصول إلى المعلومات بموجب الفصل 38 لتصبح تونس الدولة العربية الثانية التي عملت على دسترة حق الوصول إلى المعلومات بعد المغرب” ([2]).
تطرح التجربة التونسية أفضل نموذج للمقارنة بين آليات تفعيل منظومة الحق في الحصول على المعلومات بالعالم العربي (تعنينا من ضمنها أساسا التجربة المغربية)، بفضل المستوى المتقدم قانونيا وفلسفة حقوقية لهذه التجربة المأسوف على المآل الذي انتهت إليه (المنع بقرار حكومي). بل يمكن الذهاب أبعد واعتبارها مرجعا يقاس عليه.
إن ما يجعل التجربة التونسية مرجعية ومتقدمة كامن ليس فقط بفضل السند الدستوري الذي تحوزه (دستور 2014 في فصله رقم 32، المؤدي إلى صدور القانون 22 المنظم لآليات تنفيذ الحق في الحصول على المعلومات سنة 2016)، بل منطوق أبواب ومواد ذلك القانون.
نعم تعتبر التجربة المغربية الأول من نوعها بالعالم العربي في التنصيص دستوريا على مركزية تفعيل الحق في الحصول على المعلومات (الفصل 27 من دستور فاتح يوليوز 2011)، لكن الصيغة النهائية للقانون المفعل للسند الدستوري كما تحقق في التجربة التونسية يجعلها مرجعا متقدما في كامل العالم العربي. لأنه بالعودة إلى القانون 22 التونسي نجد أنه يرتكز على ضوابط متقدمة عززت من فعالية تنفيذ منظومة الحق في الحصول على المعلومات بأكبر قدر من واجبات وشروط المرجعية الحقوقية الدولية، يمكن إجمالها في ما يلي:
- – التدقيق في الفصل الثاني بخصوص الهياكل المؤسساتية التي يعنيها وجوبا ذلك القانون التي حددها في:
- رئاسة الجمهورية وهياكلها،
- رئاسة الحكومة وهياكلها،
- مجلس نواب الشعب وهياكله،
- الوزارات ومختلف الهياكل تحت الإشراف بالداخل والخارج،
- البنك المركزي،
- المؤسسات والمنشآت العمومية وتمثيلياتها بالخارج،
- الهياكل العمومية المحلية والجهوية،
- الجماعات المحلية،
- الهيئات القضائية، المجلس الأعلى للقضاء، المحكمة الدستورية، محكمة المحاسبات،
- الهيئات الدستورية،
- الهيئات العمومية المستقلة،
- الهيئات التعديلية،
- أشخاص القانون الخاص التي تسيّر مرفقا عاما،
- المنظمات والجمعيات وكل الهياكل التي تنتفع بتمويل عمومي.
(بالمقارنة مع القانون 31.13 بالمغرب في بابه الثاني نجد تدقيقا أكبر في القانون التونسي على مستوى المحاكم من خلال التنصيص على المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية ومحكمة المحاسبات وكافة الهيئات العمومية مع إضافة حتى المؤسسات العمومية التونسية ذات المسؤوليات بالخارج).
- – ترتيب النشر الإستباقي في مرتبة متقدمة كأولوية مباشرة بالباب الثاني بعد الباب الأول المتعلق ب “أحكام عامة” (بالمقارنة مع القانون 31.13 بالمغرب نجد أن الباب الثاني مخصص للإستثناءات، بينما جاء باب تدابير النشر الإستباقي في الباب الثالث). مما يترجم فلسفة حقوقية تعلي من أولوية مبدأ “الإتاحة” الذي هو الأساس الأكبر لمنظومة الحق في الحصول على المعلومات، عبر مركزية تدابير النشر الإستباقي من قبل كل المؤسسات العمومية أو المكلفة بتدبير شأن عمومي. بدليل أن الباب الثالث خصص لآلية النفاذ إلى المعلومة بطلب، أي كيفيات الحصول على المعلومة وكيفيات تقديم طلب بخصوصها من قبل المواطن التونسي، فهي مرتبة كأولوية ثالثة قبل الإستثناءات التي جاءت في الباب الرابع.
- – اعتبار قرارات الهيئة المكلفة بإنفاذ قانون الحق في الحصول على المعلومات ملزمة (بالمقارنة مع التجربة المغربية فإن ما تصدره لجنة الحق في الحصول على المعلومات ليس قرارات بل توصيات).
- – اعتبار هيئة النفاذ إلى المعلومة لجنة عمومية مستقلة (في التجربتين المغربية والأردنية اللجنة ليست لجنهما وطنية مستقلة).
- – إفراد باب مستقل (الباب السادس) بفصول خمسة تفصيلية وتدقيقية للمكلفين بمهام منح المعلومات، تحدد بشكل واضح مهامهم والسند القانوني الداعم والحمائي لدورهم المحوري في تفعيل آلية ضمان ممارسة الحق في الحصول على المعلومات إداريا ومؤسساتيا. بالمقارنة مع القانون المغربي رقم 31.13 خصصت فقط مادة يتيمة (المادة 12) من ضمن الباب الثالث المخصص لتدابير النشر الإستباقي للمكلفين بمهمة تلقي الطلبات ومنح المعلومة بدون تفصيل تدقيقي مؤسساتي وحمائي. وأن من مهامهم في التجربة التونسية (كبنية إدارية وسيطة) تنسيق العمل مع كل الفاعلين المؤسساتيين وإصدار تقرير سنوي تقييمي لمدى التزام المؤسسات الإدارية بتيسير ممارسة تنفيذ الحق في المعلومة. وهذه أدوار متقدمة للمكلفين بمهمة منح المعلومة.
- – أن من بين المهام المركزية ل “هيئة النفاذ العمومية المستقلة إلى المعلومة” وجوبا بقوة القانون:
- القيام بتقييم دوري حول مدى تكريس حق النفاذ إلى المعلومة من طرف الهياكل الخاضعة لأحكام القانون المنظم.
- إعداد الأدلة اللازمة (دليل إجرائي تطبيقي) حول حق النفاذ إلى المعلومة
- إبداء الرأي وجوبا في مشاريع القوانين والنصوص الترتيبية ذات العلاقة بمجال النفاذ إلى المعلومة.
- تتولّى الهيئة رفع التقرير السنوي إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس نواب الشعب ورئيس الحكومة وينشر هذا التقرير للعموم بموقع الهيئة الإلكتروني.
- أن العضوية في اللجنة لا تتم بالتعيين بل بفتح الترشيح عبر آلية رسمية برلمانية مشرفة. حيث يحيل رئيس مجلس نواب الشعب على الجلسة العامة للمجلس قائمة تتضمّن ترتيب أفضل ثلاثة (3) مترشحين في كلّ خطة لاختيار أعضاء الهيئة بالتصويت السري. يحيل بعدها رئيس المجلس قائمة أعضاء الهيئة الذين تمّ انتخابهم من قبل الجلسة العامة إلى رئيس الحكومة الذي يتولّى تعيينهم بمقتضى أمر حكومي.
- يؤدّي رئيس الهيئة وأعضاؤها أمام رئيس الجمهورية وقبل مباشرة مهامهم، اليمين التالية: “أقسم بالله العظيم أن أقوم بمهامي بأمانة وشرف واستقلالية وأن أحافظ على السر المهني”.
- تضبط منح وامتيازات رئيس الهيئة ونائبه وأعضائها بأمر حكومي ويكون رئيس الهيئة ونائبه متفرّغين وجوبا. وأن الهيئة هي من يقترح مشروع ميزانية التسيير الخاصة بها.
- يحق للهيئة الحصول على مداخيل إضافية متأتية من أنشطة وخدمات الهيئة (خارج الموارد المالية الرسمية من الميزانية السنوية للحكومة).
مع التسطير على أن تركيبة الهيئة العمومية المستقلة للنفاذ إلى المعلومة بتونس تتركب وجوبا بقوة القانون كما يلي:
- يتركّب مجلس الهيئة من تسعة (9) أعضاء:
- قاضي إداري، رئيسا،
- قاضي عدلي، نائب لرئيس الهيئة،
- عضو من المجلس الوطني للإحصاء،
- أستاذ جامعي مختص في تكنولوجيا المعلوميات، برتبة أستاذ تعليم عالي أو أستاذ محاضر، عضوا،
- مختص في الوثائق الإدارية والأرشيف، عضوا،
- محام، عضوا،
- صحفي، عضوا،
- ويتعين ألا تقلّ أقدميتهم عن عشر سنوات (10) عملا فعليا في تاريخ تقديم الترشح.
إن كل هذا الإطار التنظيمي المتقدم لتفعيل آليات إقرار وتنفيذ منظومة الحق في الحصول على المعلومات كما تبلور حقوقيا في تونس بالشكل الذي يجعله مرجعا في كامل التجربة العربية، سيتم وضع نقطة النهاية له للأسف منذ أسابيع بقرار حكومي يقضي بحل “هيئة النفاذ إلى المعلومة” شهر غشت 2025 وإغلاق مقرها وإعادة إدماج جهازها الإداري في مهام إدارية أخرى. مما يعتبر نكوصا حقوقيا معيبا في مقابل تعزيز منظومة الحق في الحصول على المعلومات بكل من المغرب (إطلاق آلية جدية لتعديل القانون 31.13، توحيد الإطار المؤسساتي لبنية منح المعلومات عبر إقرار منظومة “شفافية”، تعزيز دور لجنة الحق في الحصول على المعلومات، توسيع أكبر لتدابير النشر الإستباقي)، والأردن (التعديلات الأكثر فعالية في قانون 2024)، ولبنان (خطة العمل الوطنية لتنفيذ قانون الحق في المعلومات لسنة 2020).
التجربة اللبنانية وتحديات الأزمة السياسية
تعتبر التجربة اللبنانية رابع تجربة واعدة في مجال منظومة الحق في الحصول على المعلومات بالعالم العربي. لكنها تجربة تسجل صعودا ونزولا على مستوى تفعيل آلية منظومة هذا الحق مؤسساتيا.
لعل السبب يعود ليس فقط لطبيعة النصوص القانونية المؤطرة لممارسة هذا الحق بلبنان، بل أيضا لطبيعة الأزمة السياسية والتدبيرية التي تواجهها الدولة اللبنانية تحت ضغط أوضاعها الأمنية والتدبيرية داخليا والمخاطر التي تحيط بالبلد خارجيا (الأحداث في سورية والإعتداءات الإسرائيلية المتلاحقة على أراضيها منذ سنوات).
ما يمكن تسجيله بداية هو أن من أنشط فعاليات المجتمع المدني الحقوقي بالعالم العربي المدافعة عن مبدأ الحق في الحصول على المعلومات كجزء مركزي من محاربة الفساد وتحقيق الشفافية، هي الجمعيات اللبنانية التي تمتلك تاريخا تأطيريا راسخا في مجالات القانون ومنظومة حقوق الإنسان منذ استقلال لبنان بسبب طبيعة التركيبة السياسية والدستورية والإجتماعية للبلد (تعدد إثني وتعدد ديني مسيحي ومسلم). بالتالي هناك تراكم نظري مرجعي في مجال الدراسات المتعلقة بمنظومة الحق في المعلومات ببيروت محترم وكبير، يشكل مادة غنية على مستوى المعرفة القانونية والحقوقية جد مفيدة لكل المشتغلين بهذا المجال الحيوي بالعالم العربي.
لكن الملاحظة المركزية المسجلة بخصوص منظومة الحق في الحصول على المعلومات بلبنان مقارنة بالتجارب الرائدة في العالم العربي (خصوصا التجربة التونسية والتجربة المغربية) هي أنها لا تملك أي سند دستوري واضح ضمن أبواب وفصول الدستور اللبناني (الذي يعتبر بالمناسبة من أقدم الدساتير في العالم العربي كونه يعود إلى سنة 1926. أدخلت عليه تعديلات على مراحل كان أهمها التعديلات المدرجة بعد اتفاق الطائف لوقف الحرب الأهلية اللبنانية في 21 أبريل سنة 1990). وأن الخبراء في القانون الدستوري بلبنان يعتبرون أن النصوص التي يمكن البناء عليها للدفاع عن ممارسة حق الحصول على المعلومات قليلة لا تتجاوز:
- الفقرات ب. ج. د. من مقدمة الدستور (في “ب” نجد عبارة عامة تفيد أن “لبنان عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتجسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء”/ في “ج” نجد عبارة عامة أخرى تفيد أن “لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد”/ بينما في “د” نجد عبارة عامة أخرى تفيد أن “الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية”).
- المواد 4، 7 و13 من الفصل الأول من الدستور (تؤكد في مجملها على أن كل اللبنانيين سواء أمام القانون ويتمتعون بكامل الحقوق المدنية والسياسية سواسية).
رغم غياب السند الدستوري ستصدر الحكومة اللبنانية أول قانون للحق في الحصول على المعلومات بتاريخ 10 فبراير 2017 (القانون رقم 28) الذي من أهم مميزاته المتقدمة على المرجعية الدستورية تنصيصه على أن لكل شخص سواء طبيعي أو معنوي الحق في المعلومات (بالمقارنة مع القانون المغربي رقم 31.13 فالتنصيص يقول بحق المواطنات والمواطنين وليس الشخص كما هو معتمد في المعيار الدولي الذي يقول بإطلاقية هذا الحق بغض النظر عن جنسية طالب المعلومة).
سيتم تعديل القانون رقم 28 بعد مطالبات حقوقية وجمعوية وحزبية متكررة ببيروت خصوصا بعد الحراك الشعبي الشهير لسنة 2019، فتم إصدار قانون معدل هو القانون رقم 233 بتاريخ 16 يوليوز 2021. من أهم إضافاته تحديد إطار قانوني منظم وحمائي للمكلفين بتقديم المعلومات وتنصيصه بوضوح أكبر على إلزامية تطبيق تدابير النشر الإستباقي وتدقيق أوضح في مجال الإستثناءات مع إفراز فقرة أكثر تحديدا لحق حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (تم تخصيص مادة مستقلة ضمن مواد القانون المعدل).
من العيوب المسجلة أيضا على القانون اللبناني للحق في الحصول على المعلومات مقارنة بالتجارب المتحققة في كل من تنوس والمغرب والأردن، أنه لم ينص على خلق لجنة مستقلة خاصة مهمتهما متابعة وتفعيل بنود القانون المعدل رقم 233، بل إنه ألحق هذه المهمة كتكليف إضافي من ضمن مهام أخرى لها ينظمها قانون خاص آخر مستقل إلى لجنة “الهيئة الوطنية اللبنانية لمحاربة الفساد” (ينظم عملها القانون رقم 175 الصادر بتاريخ 8 ماي 2020). مما يجعل آلية متابعة ومراقبة وتفعيل منظومة الحق في الحصول على المعلومات جزء من مهام هيئة محاربة الفساد، الأمر الذي يعني أنه ليس هناك مجال مؤسساتي مستقل يشرف على تفعيل تطبيق هذا الحق بلبنان. مما يفسر على أن القرار السياسي المركزي للدولة اللبنانية لا يضع من أولوياته تفعيل وضمان الممارسة المؤسساتية الفضلى لمنظومة الحق في الحصول على المعلومات تأسيسا على المقاييس الدولية المعتمدة ذات الصلة.
لهذا السبب لا يزال خيار تفعيل ممارسة مبدأ الحق في الحصول على المعلومات كجزء مركزي من آليات ممارسة حقوق الإنسان، يراوح مكانه سلبيا في لبنان، يحول دون تصنيفها بشكل قطعي واضح ضمن التجارب العربية المفعلة لمنظومة الحق في الحصول على المعلومات كما هو متحقق في المغرب والأردن وتونس. بكل ما لذلك من انعكاس واضح على مستوى الترتيب الدولي للبنان في مجال حقوق الإنسان وضمن آليات التقييم الأممية والدولية الخاصة بالحق في الحصول على المعلومات.
التجربة المصرية والتأخر في التصالح مع المرجعية الحقوقية العالمية
كان منتظرا منذ عقود أن تكون مصر هي صاحبة المبادرة والريادة في مجال تفعيل آليات الحق في الحصول على المعلومات بالعالم العربي، لما تتوفر عليه من تراكم كبير في مجال الفقه القانوني والدستوري وما تمتلكه من خبراء وفقهاء دستوريين وقانونيين وما عاشته من تجارب دستورية وقانونية وسياسية تدبيرية منذ الأربعينات من القرن الماضي. لكنها للمفارقة هي من أكثر البلدان العربية غير المتوفرة على أية آلية مؤسساتية لممارسة الحق في الحصول على المعلومات حتى الآن.
صحيح أن هناك نقاشا مفتوحا منذ نهاية الثمانينات لإعادة تنظيم مجال تدبير المعلومات وفهرستها وتبويبها بمصر (خاصة بالعلاقة مع نتائج الإحصاءات العامة الدورية)، لكن ذلك لم يرتقي بعد إلى مستوى القرار السياسي لدى الحكومة المصرية لإصدار تشريع خاص منظم لتفعيل آليات ممارسة الحق في المعلومات. رغم مطالبات عدد من جمعيات المجتمع المدني والمجتمع الحقوقي بمصر بالإسراع في إصدار تشريع مستقل في هذا الباب.
بالتالي فإن التقييم الدولي مؤسساتيا لترتيب مصر ضمن الدول المنخرطة في آليات تفعيل منظومة حقوق الإنسان وتحقيق الشفافية هو تقييم سالب يصنفها ضمن مراتب متأخرة عالميا. رغم أن هناك محاولات رسمية لتطوير آليات منظومة حقوق الإنسان ببلاد النيل، بدليل تأسيس المجلس القومي لحقوق الإنسان منذ سنة 2003، وتعزيز دوره كإطار مؤسساتي مستقل في دستور 2012 (يرأسه حاليا شخصية مصرية محترمة ذات مصداقية هو السفير إيهاب جمال الدين الذي جاء من منصب مندوب مصر الدائم بالهيئة الأممية لحقوق الإنسان بجنيف بعد سنوات قضاها سفيرا لبلاده بالمغرب).
من أهم المحاولات الرسمية للسعي إلى تحريك عجلة منظومة الحق في المعلومات بمصر من ضمن مخطط أشمل لتعزيز مبادئ الشفافية، إصدار مركز المعلومات ودعم اتخاد القرار التابع لمجلس الوزراء المصري تقريرا معلوماتيا حول قوانين تداول المعلومات في التجارب الدولية ومقارنته بالوضع في مصر، تم فيه رصد تبعات غياب قانون لحرية تداول المعلومات وتأثيراته السلبية على عملية التنمية المستدامة للعلاقة العضوية بين ذلك الحق والتنمية مؤسساتيا ومجتمعيا ([3]). لكن واقع الحال حتى الآن هو أن الدستور المصري لسنة 2012 لا ينص على مبدأ الحق في المعلومات بشكل محدد صريح، بل إنه أشار فقط في المادة 47 منه إلى مبدأ الحق في المعلومة المشروط ب “ما يتناسب مع الأمن القومي”، الأمر الذي جعل كل المؤسسات الرسمية المصرية تعتبر هذه الجملة أداة لحمايتها من واجب إعطاء المعلومات أو حتى نشرها. فيما يعتبر النص الصريح الوحيد لممارسة الحق في الحصول على المعلومات في الدستور المصري هو ذلك المتعلق بتنظيم مجال مهنة الصحافة حيث تنص المادة 210 منه على أن “للصحفيين حق الحصول على الأنباء والمعلومات طبقا للأوضاع التي يحددها القانون ولا سلطان عليهم في عملهم لغير القانون”.
سيسجل تطور آخر ابتداء من سنة 2016 حين أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ما وصف ب “استراتيجية التنمية المستدامة لمصر 2030” التي أصبحت سندا محوريا لكل المطالبين بتفعيل منظومة الحق في الحصول على المعلومات بغاية إصدار قانون تشريعي منظم ومفعل لهذا الحق. أو كما كتبت الباحثة المصرية آية عزت عامر مكي في المرجع المشار إليه أدناه فإن “عدم إصدار قانون حرية تداول المعلومات يعتبر من ضمن التحديات الأساسية لتحقيق الشفافية والإدارة الكفؤة، حيث يؤدي عدم إتاحة المعلومات (…) إلى تراجع التقليل في فرص الفساد والتلاعب وتحقيق أهداف الحكم الراشد”.
بالعودة إلى محاور نص الإستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة في أفق 2030، نجد تنصيصا على أهمية توفير وخلق آلية ضامنة لتداول المعلومات عموميا معتبرا أن توفرها سيعتبر كأداة تشريعية أساسية لتحقيق الشفافية وإصلاح الجهاز الإداري ورفع كفاءة المؤسسات الحكومية.
بالتالي منذ 2016 تاريخ صدور هذه الإستراتيجية التأطيرية سياسيا وفكريا، لم يتم حتى الآن أي تفعيل لمبدأ ممارسة حق الحصول على المعلومات تشريعيا وتنظيميا في مصر.
خلاصة تركيبية
إن المقارنة بين أشكال تفعيل منظومة الحق في الحصول على المعلومات بالعالم العربي، انطلاقا من تجارب كل من الأردن، تونس، لبنان، مصر والمغرب، تسمح بتسجيل جملة ملاحظات عامة يمكن إجمالها في ما يلي:
- تعتبر التجربة المغربية رائدة على مستوى دسترة منظومة الحق في الحصول على المعلومات وتخصيصها بفصل مستقل واضح وصريح (الفصل 27 من دستور فاتح يوليوز 2011)، حيث تعتبر أول تجربة من نوعها بالعالم العربي تلتها تونس سنة 2014. وتعتبران لحد الآن التجربتان الوحيدتان في العالم العربي التي حق الحصول على المعلومات مسنود فيهما بنص دستوري تم تفعيله بإصدار قانون تنظيمي مصادق عليه من قبل برلمان البلدين، مع إنشاء لجنة مكلفة بمراقبة وتفعيل ذلك القانون التنظيمي.
- تعتبر التجربة التونسية على مستوى قانونها التنظيمي الأكثر تقدما من حيث تنصيصها على إنشاء لجنة وطنية مستقلة لتفعيل ممارسة منظومة الحق في الحصول على المعلومات ذات استقلالية مالية وإدارية وأن قراراتها ملزمة (في التجربة المغربية اللجنة ليست لجنة وطنية ولا تملك استقلالية مالية وما تصدره هو فقط توصيات وليس قرارات، مثلها مثل التجربة الأردنية). بل إن تعيين أعضاء تلك اللجنة يتم بعد التقدم بترشيحات إلى لجنة مكلفة بمجلس النواب التونسي وأن التصويت على الأعضاء المقبولين يتم في جلسة عمومية بالبرلمان بالتصويت السري.
- سجل بأسف تراجع حقوقي معيب في التجربة التونسية منذ صدور قرار حكومي بتاريخ غشت 2025 يقضي بحل “هيئة النفاذ إلى المعلومة” وإغلاق مقرها وإعادة إدماج جهازها الإداري في مهام إدارية أخرى. مما اعتبر تراجعا معيبا بمقاييس منظومة حقوق الإنسان العالمية، خاصة وأنها هيئة مستقلة مسنودة بفصل في الدستور التونسي منذ سنة 2016. الأمر الذي جعل واقعيا أن التجربة الوحيدة المتقدمة المتبقية على مستوى منظومة تفعيل الحق في المعلومات بسند دستوري بكامل العالم العربي هي التجربة المغربية.
- يسجل أن التجربة المغربية بعد تحقيق تراكم على مستوى تفعيل القانون رقم 31.13 المنظم لآليات ممارسة الحق في الحصول على المعلومات، دخلت في مرحلة للتقييم (من ضمن نماذجها ما تضمنه في خلاصاته تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي بالمغرب من ضرورة إدخال تعديلات جديدة على القانون المغربي المنظم للحق في الحصول على المعلومات). حيث بادرت لجنة الحق في الحصول على المعلومات بالمغرب إلى إصدار مداولة لتعديل القانون رقم 31.13 موجهة إلى رئيس الحكومة تم التفاعل معها حكوميا بإيجابية وانطلقت آلية مؤسساتية لإنتاج نص قانوني جديد بلغ اليوم مراحل متقدمة ينتظر أن يتم تقديمه في بداية الولاية التشريعية القادمة أمام البرلمان للمصادقة عليه بعد أن تصادق عليه الحكومة المنتظرة بعد الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026.
- تعتبر عمليا التجربة الأردنية ثاني أهم تجربة واعدة في مجال الحق في الحصول على المعلومات بالعالم العربي (بعد التراجع الحقوقي المسجل بتونس) خاصة منذ إدخال تعديلات محورية هامة على القانون رقم 47 المنظم لهذا الحق سنة 2024. وهناك طموح حقوقي وجمعوي ضاغط بالأردن لإدراج منظومة الحق في المعلومات ضمن أي إصلاح دستوري قادم مع تعزيز استقلالية “هيئة مجلس المعلومات” ليكون إطارا مستقلا عن الحكومة ممتلكا للسند التشريعي والقانوني الملزم لقراراتها.
- يسجل أن التجربة اللبنانية محكومة بالأعطاب السياسية والأمنية الضاغطة (حتى بأسباب خارجية آتية من محيطها الإقليمي) التي تحول دون تطوير تفعيل آليات منظومة الحق في المعلومات، ضمن أزمة مركبة لحماية استقلالية قرار الدولة المركزي وحماية وحدة الأراضي اللبنانية وحماية مؤسسات الدولة.
- يسجل أن التجربة المصرية لا تزال للأسف متأخرة في تفعيل آليات منظومة الحق في الحصول على المعلومات دستوريا وتشريعيا مما يؤثر على مدى تحقق الشفافية في مصر وينعكس على ترتيبها ضمن خريطة الآلية الحقوقية للشفافية عالميا. حيث لا توجد بمصر أية آلية مؤسساتية للحق في الحصول على المعلومات حتى اليوم.
- يسجل تطور إيجابي لإصدار قوانين منظمة لآلية الحق في الحصول على المعلومات بكل من موريتانيا (طرح نقاش حول مشروع قانون مؤسساتيا ابتداء من أبريل 2026)، ثم العراق (بداية مناقشة البرلمان العراقي لمشروع قانون خاص بالحق في المعلومات منذ شهر أبريل 2026).
(*) عن موقع “ثقتنا” للجنة الحق في الحصول على المعلومات بالمغرب..
[1] دراسة ل “منتدى دعم العدالة” وجمعية “النهضة العربية للديمقراطية والتنمية” بالأردن.
[2] “فعلية الحق في الحصول على المعلومات بالمنطقة العربية.. المكاسب والإخفاقات”. دراسة للباحث عبد الرفيع زعنون المنشورة بموقع “رواق عربي” و “مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان”.
[3] أنظر دراسة للباحثة آية عزت عامر مكي بعنوان “التنظيم القانوني للحق في الحصول على المعلومات في التشريع المصري والفرنسي” المنشورة بالمجلة القانونية المصرية (ISSN: 2537 – 0758)


