أثارت تصريحات القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة هشام المهاجري، قبل أيام، خلال تجمع خطابي. بشأن جمع ومعالجة معطيات شخصية لنحو 200 ألف شاب وشابة من طرف شركة قال إنها مقربة من حزب التجمع الوطني للأحرار، نقاشا يتجاوز البعد السياسي للموضوع. ويفتح أسئلة تقنية وقانونية حول طبيعة البيانات التي جرى جمعها، والجهة التي تتولى تخزينها ومعالجتها. والجهات التي يمكن أن تصل إليها، فضلا عن كيفية ضمان عدم استعمالها خارج الأغراض التي جُمعت من أجلها.
وكشف القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة ، خلال تجمع انتخابي بمراكش، قضية معطيات المستفيدين من برنامج «فرصة». معتبرا أن الهدف من البرنامج كان جمع معطيات نحو 200 ألف شاب، وأن هذه المعطيات آلت إلى شركة تابعة لمجموعة «أكوا» التي يملكها عزيز أخنوش الرئيس السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار. قبل أن يتهم الحزب باستعمالها في سياق انتخابي.
وتزداد حساسية هذا النقاش بالنظر إلى أن المعطيات الشخصية، مثل الاسم ورقم الهاتف والبريد الإلكتروني وغيرها من البيانات التي تمكن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من التعرف على الأشخاص. تخضع لمقتضيات القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وتتولى اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، في حدود الاختصاصات التي يحددها القانون، السهر على احترام القواعد المنظمة لهذه المعالجة.
خبير يحذر من استغلال البيانات في الاستهداف السياسي
وفي هذا السياق، قال حسن خرجوج، الخبير في تحليل البيانات والأمن السيبراني، إن تناول الموضوع من الناحية السياسية يظل حقا للبرلماني وللشخص الذي يمارس السياسة. غير أن الجانب التقني يطرح، بحسبه، أسئلة تتعلق بمصير المعطيات الشخصية المنسوبة إلى نحو 200 ألف شاب وشابة.
وأوضح خرجوج في تصريح لموقع “سفيركم” أن السؤال الأساسي يتمثل في معرفة مكان وجود هذه المعطيات. والجهة التي تتولى جمعها وتحليلها، وما إذا كانت مؤسسة عمومية أو شركة خاصة. مشددا على أن المعطيات المتداولة بشأن هذا الملف تحتاج إلى توضيح من الجهات المعنية قبل استخلاص أي نتائج قانونية أو تقنية نهائية.
وأشار الخبير السيبراني إلى أن خضوع عملية المعالجة لجهة عمومية لا يعني، في حد ذاته، إعفاءها من احترام مقتضيات القانون رقم 09.08. كما أن إسناد المعالجة إلى شركة خاصة لا يثبت تلقائيا وقوع مخالفة. فمدى قانونية العملية يرتبط، من بين أمور أخرى، بالغرض المحدد من جمع البيانات، والأساس القانوني للمعالجة، وطبيعة البيانات المعنية. والجهات التي يمكن أن تتوصل بها، والضمانات المعتمدة لحمايتها.
واعتبر الخبير أن الإشكال يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بشركة خاصة، متسائلا عن كيفية التحقق من عدم تسريب المعطيات أو استعمالها خارج الأغراض المحددة لها. غير أن تحديد وجود مخالفة يظل رهينا بالتحقق من الوقائع والوثائق ذات الصلة. ومن مدى احترام المسؤول عن المعالجة والجهات المتدخلة للالتزامات القانونية.
وقال المتحدث إن قاعدة بيانات تضم معلومات عن عدد كبير من الشباب قد تكون ذات قيمة تجارية أو اتصالية. محذرا من احتمال استعمالها في حملات إعلانية أو سياسية موجهة. وأوضح أن جمع رقم الهاتف والاسم والكنية والبريد الإلكتروني يمكن، من الناحية التقنية. أن يسهل توجيه رسائل أو إعلانات إلى الأشخاص عبر منصات رقمية مختلفة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن هذا الاستعمال وقع فعلا في الحالة موضوع النقاش.
من جمع البيانات إلى حمايتها.. أسئلة قانونية تفرض نفسها
وشدد خرجوج على ضرورة توضيح الجهة المسؤولة عن جمع المعطيات، والأغراض المعلنة لذلك، وكيفية تخزينها وتأمينها. والجهات التي يمكن أن تتوصل بها، داعيا إلى اللجوء إلى اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي للتحقق من مدى احترام المقتضيات القانونية. إذا توفرت لديها معطيات أو شكايات أو عناصر تبرر ذلك.
وأضاف الخبير أن الجهة التي تجمع المعطيات قد تكون مطالبة، بحسب طبيعة المعالجة والأنظمة المطبقة عليها، بإتمام الإجراءات القانونية اللازمة لدى اللجنة الوطنية. ولا سيما التصريح بالمعالجة أو الحصول على الإذن المسبق في الحالات التي يحددها القانون والنصوص التنظيمية ذات الصلة. ولا يمكن الجزم بالإجراء الواجب اتباعه قبل معرفة طبيعة البيانات، والغرض من المعالجة، والجهة المسؤولة عنها، وما إذا كانت المعالجة تدخل ضمن الحالات المستثناة أو الخاضعة لنظام خاص.
ما هي صلاحيات اللجنة الوطنية قانونا؟
ينظم القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي معالجة البيانات الشخصية. كما أحدث اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي وأسند إليها مهمة السهر على احترام المقتضيات القانونية ذات الصلة.
وتشمل اختصاصات اللجنة، وفق القانون، إبداء الرأي وتقديم الاقتراحات، والتحسيس.ومراقبة عمليات معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، وإجراء الأبحاث والتحريات اللازمة، والنظر في الشكايات. وممارسة الصلاحيات الأخرى التي يخولها لها القانون. غير أن هذه الاختصاصات لا تعني أن اللجنة تصادق مسبقا على كل عملية جمع للبيانات. ولا أن مجرد وجود تصريح لديها يثبت قانونية جميع أوجه المعالجة أو استعمال البيانات.
ويخضع عدد من عمليات معالجة المعطيات لنظام التصريح لدى اللجنة، بينما تخضع عمليات أخرى. بالنظر إلى طبيعتها أو البيانات المعنية بها، لنظام الإذن المسبق. وفق ما ينص عليه القانون والنصوص التنظيمية والقرارات ذات الصلة. ويحدد الإطار القانوني، بحسب الحالة، المعلومات التي ينبغي تقديمها، ومنها الغرض من المعالجة، وفئات الأشخاص والمعطيات المعنية. والجهات أو الفئات التي يمكن أن تتوصل بها، ومدة الاحتفاظ بها، والتدابير المتخذة لحمايتها.
كما يفرض القانون أن تكون المعطيات قد جُمعت لأغراض محددة وصريحة ومشروعة. وأن تكون المعالجة اللاحقة متوافقة مع تلك الأغراض، مع احترام مبدأ التناسب وعدم جمع معطيات تتجاوز ما تقتضيه الغاية المعلنة. ويرتبط تقييم احترام هذه المبادئ بالوقائع الفعلية وبالمعلومات المقدمة إلى الأشخاص المعنيين عند جمع بياناتهم.
ويشمل الإطار القانوني أيضا الحالات التي تتم فيها معالجة المعطيات من طرف جهة تعمل لحساب المسؤول عن المعالجة. وفي هذه الحالة، يتعين تنظيم العلاقة بين الطرفين، وتحديد المسؤوليات. واتخاذ التدابير التقنية والتنظيمية المناسبة لحماية المعطيات، وفقا للمقتضيات القانونية المطبقة. ولا يكفي، في حد ذاته، إسناد المعالجة إلى شركة خاصة لإثبات عدم قانونيتها، كما لا يعفي ذلك المسؤول عن المعالجة من التزاماته.
وتملك اللجنة صلاحيات في مجال المراقبة والتحري، بما يمكنها من التحقق من مدى احترام القواعد القانونية والتنظيمية المتعلقة بمعالجة المعطيات الشخصية. واتخاذ التدابير التي يخولها لها القانون عند ثبوت وجود مخالفات، مع احترام المساطر والضمانات المنصوص عليها قانونا. ولا يمكن تحديد التدبير الذي قد تتخذه اللجنة في ملف معين إلا بعد فحص المعطيات والوثائق والوقائع المرتبطة به.
200 ألف معطى.. اختبار حقيقي لفعالية المراقبة
وتكتسي هذه الصلاحيات أهمية خاصة عند الحديث عن قواعد بيانات واسعة تضم معلومات شخصية لعدد كبير من الأشخاص. إذ لا يرتبط التقييم القانوني فقط بالجهة التي جمعت البيانات. وإنما أيضا بالغرض من جمعها، والأساس القانوني للمعالجة، وطريقة إخبار الأشخاص المعنيين. وكيفية تخزين البيانات وتأمينها، والجهات التي يمكن أن تصل إليها، ومدة الاحتفاظ بها، وطريقة استعمالها لاحقا.
وبذلك، يضع موضوع المعطيات المنسوبة إلى نحو 200 ألف شاب وشابة حماية البيانات الشخصية في صلب النقاش. ويظل السؤال المطروح هو مدى احترام القواعد المنظمة لجمع ومعالجة هذه البيانات. وما إذا كانت اللجنة الوطنية ستتوصل بعناصر أو شكايات تبرر ممارسة اختصاصاتها في المراقبة والتحري والتدخل، عند الاقتضاء، وفق ما يسمح به القانون.


