تتجه أنظار مجلس الأمن الدولي إلى مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “مينورسو”، مع اقتراب موعد انتهاء ولايتها في 31 أكتوبر المقبل. في وقت تدرس فيه الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب عدة خيارات بشأن طبيعة ومهام البعثة، وفق ما أوردته مجلة “أفريكا إنتليجنس”.
وحسب المصدر ذاته، تحاول واشنطن، بالتوازي مع تحركات المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا والمستشار الأمريكي لشؤون أفريقيا مسعد بولس. الدفع نحو تحقيق تقدم في المفاوضات قبل موعد التصويت على الولاية الجديدة، في ظل محدودية النتائج المحققة إلى حدود الآن.
ويأتي هذا النقاش في سياق أممي جديد فرضه القرار 2797 الصادر في أكتوبر 2025. والذي مدد ولاية المينورسو إلى 31 أكتوبر 2026. ودعا الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي. وطلب في الوقت ذاته من الأمين العام بتقديم مراجعة استراتيجية لمستقبل ولاية البعثة. مع أخذ نتائج المفاوضات بعين الاعتبار.
وفي قراءة لهذه التحولات، يرى الناشط والمهتم بالشأن الصحراوي، محمد سالم عبد الفتاح، أن “المينورسو” “تدخل مرحلة مفصلية مع اقتراب نهاية ولايتها في 31 أكتوبر 2026”. معتبرا أن ذلك “يفسر الاهتمام المتزايد في واشنطن بإعادة النظر في مستقبلها”.
وأضاف عبد الفتاح، في تصريح لجريدة “سفيركم”، أن “عديد المصادر تتحدث عن دراسة إدارة دونالد ترامب لعدة خيارات بشأن مستقبل البعثة. بالتوازي مع محاولة مسعد بولس وستافان دي ميستورا دفع المفاوضات إلى الأمام قبل موعد التصويت. رغم عدم الإعلان عن النتائج المحققة حتى الآن”.
ويرى عبد الفتاح أن جوهر التحول الذي يبدو أن واشنطن تدفع نحوه يرتبط بسؤال أساسي. وهو “هل يستمر تعريف المينورسو بوظيفتها التقليدية، التي نشأت أساسا في 1991 في سياق الاستفتاء الذي بات متجاوزا، وثبت بالملموس استحالة تطبيقه. أم يعاد تعريفها بما يتلاءم مع الإطار السياسي الجديد الذي أرساه القرار 2797؟”.
وأوضح الخبير ذاته أن القرار “لم يكتف بتمديد الولاية إلى 31 أكتوبر 2026، بل طلب من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية لمستقبل ولاية المينورسو. مع أخذ نتائج المفاوضات في الاعتبار. كما جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات. ودعا الأطراف إلى الانخراط فيها دون شروط مسبقة على هذا الأساس”.
ومن هذا المنطلق، يرى عبد الفتاح أن السيناريوهات التي تدرسها واشنطن يمكن فهمها “باعتبارها جزءا من عملية أوسع لإعادة تعريف وظيفة البعثة. وليس مجرد نقاش تقني حول عدد أفرادها أو ميزانيتها”.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن “المؤشرات المتاحة تشير إلى ثلاثة اتجاهات مترابطة. يتمثل أولها في الإبقاء على وجود أممي محدود يركز على الاستقرار ومراقبة الوضع العسكري. أما الاتجاه الثاني فيركز على إعادة صياغة وظيفة البعثة لتصبح أكثر اتصالا بالمسار السياسي. في حين يذهب اتجاه ثالث نحو تقليص وجود البعثة بشكل تدريجي تمهيدا لخروجها إذا أصبح الحل السياسي قابلا للتنفيذ”.
وتتطابق هذه القراءة في جانب منها مع ما أوردته “أفريكا إنتليجنس”. التي تحدثت عن دراسة واشنطن خيارات متعددة لمستقبل “المينورسو”. بالتزامن مع الضغط من أجل تحقيق تقدم تفاوضي قبل أكتوبر.
ولفت عبد الفتاح الإنتباه إلى أن النقاش بشأن مستقبل بعثة “المينورسو” لم يعد افتراضا نظريا، مؤكدا أنها “تشهد بالفعل عملية تقليص في مواردها”. مشيرا، استنادا إلى وثائق الأمم المتحدة، إلى إلغاء 23 منصبا مدنيا. وتقليص الأسطول الجوي بطائرة واحدة، وخفض ساعات الطيران بنحو الربع.
وأضاف عبد الفتاح أن الاعتماد المقترح للبعثة للسنة المالية 2026-2027 بلغ “نحو 62.7 مليون دولار. مقابل 70.7 مليون دولار في السنة السابقة”.
وفي المقابل، يوضح المتحدث نفسه، أن “البعثة تحتفظ بمواقعها الميدانية الأساسية”. وهو ما يعني “انتقالا عمليا من نموذج حضور أممي واسع نسبيا إلى نموذج أكثر خفة وتركيزا. وهو ما يمكن أن يشكل البنية الميدانية لأي ولاية جديدة”.
ويرى عبد الفتاح أن المؤشر الأكثر دلالة على الاتجاه الأمريكي يتمثل في “أن واشنطن بدأت تربط بصورة متزايدة بين مستقبل المينورسو وبين مضمون المسار السياسي نفسه”.
وفي هذا السياق، أشار عبد الفتاح إلى أن السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز سبق أن أعلن أن واشنطن تجري مراجعة استراتيجية لقوة حفظ السلام في الصحراء. في إطار مراجعة أوسع للبعثات التي تعتبرها الإدارة الأمريكية مكلفة وغير فعالة. مذكرا بتقارير تحدثت على أن الموقف الأمريكي ربط تجديد الولاية بوجود مسار سياسي حقيقي يستند إلى مبادرة الحكم الذاتي المغربية.
واستطرد عبد الفتاح، موضحا، “المؤشر الأكثر وضوحا جاء من مسعد بولس نفسه في أبريل 2026، عندما التقى رئيس المينورسو ألكسندر إيفانكو. فقد أكد بولس دعم الولايات المتحدة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وقال إنه ناقش معه تنفيذ القرار 2797”.
ونبه في السياق نفسه إلى أن مسعد بولس سبق له أن بحث مع دي ميستورا “وسائل تسريع تنفيذ القرار نفسه ومساعدة الأطراف على الوصول إلى حل سياسي”.
وبناء على هذه المعطيات، يرى عبد الفتاح أن “السيناريو الأكثر انسجاما مع المؤشرات الحالية أن يجري أولا تغيير في وظيفة المينورسو. بحيث تصبح أداة أممية تخدم المسار السياسي الذي جعل الحكم الذاتي أساسا للتفاوض”.
ويعتقد الناشط الصحراوي أن هذا التحول قد يبدأ “بإزالة الوظيفة المرتبطة بالاستفتاء وتعزيز وظيفة تثبيت الهدوء ومواكبة المفاوضات. ثم الانتقال لاحقا في حال التوصل إلى اتفاق سياسي. إلى مواكبة ترتيبات تنفيذ الحل المتفق عليه”.
وفي هذا السياق، يستحضر عبد الفتاح فكرة “MANSASO”، التي سبق أن تم تداولها على لسان أكاديميين وخبراء أمميين. مشيرا إلى أن الدبلوماسي محمد لوليشكي اقترح “تحويل المينورسو إلى بعثة سياسية لمساعدة المفاوضات حول وضع الحكم الذاتي”.
واعتبر عبد الفتاح أن هذه الفكرة “تكشف أن سيناريو إعادة هندسة البعثة لتصبح مرتبطة مباشرة بمسار الحكم الذاتي كان مطروحا حتى قبل التطورات الحالية”. موضحا أن هذا المشروع “يقوم على تغيير عميق في الإطار الأممي واستبدال المينورسو بمهمة جديدة مرتبطة بالمسار السياسي”.
وتكتسب هذه المعطيات، وفق عبد الفتاح، أهمية أكبر عند وضعها إلى جانب “المراجعة الاستراتيجية التي نص عليها القرار 2797 وتصريحات المسؤولين الأمريكيين والتقليص الفعلي للموارد”. منبها إلى أن “العامل الذي يمكن أن يبطئ هذا المسار هو عدم تحقيق اختراق تفاوضي قبل أكتوبر”.
وبالتالي، يرى عبد الفتاح أن “واشنطن تجد نفسها أمام معادلة دقيقة. فهي تريد تفكيك نموذج بعثة أممية ارتبط بنزاع طويل الأمد. لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على قدر من الحضور الأممي يمنع الفراغ الأمني ويواكب أي اتفاق مستقبلي”.
وخلص عبد الفتاح إلى أن “أكتوبر 2026 قد يشكل لحظة اختبار فارقة لنموذج جديد لإدارة النزاع. خاصة إذا استمر الاتجاه الأمريكي الحالي”. مرجحا أن يركز النقاش داخل مجلس الأمن على “الوظيفة التي يجب أن تؤديها المينورسو”.
وفي هذه الحالة. تابع عبد الفتاح أن النقاش “قد يتجه نحو بعثة أكثر ارتباطا بالاستقرار الميداني. وفي الوقت نفسه أكثر اتصالا بالمسار السياسي الذي حدده القرار 2797 كإطار تفاوضي على أساس مبادرة الحكم الذاتي”.
وبحسب المتحدث نفسه، فإن “الاتجاه الأبرز الذي يمكن رصده اليوم هو الانتقال التدريجي من مينورسو بوصفها أداة لإدارة نزاع طال أمده إلى آلية أممية مرتبطة بمسار إنهاء النزاع”.
وشدد عبد الفتاح على أنه “في حال نجحت واشنطن في فرض هذا التحول داخل مجلس الأمن فإن مساهمة المينورسو في تنزيل الحكم الذاتي قد تبدأ عبر مواكبة التفاوض وتثبيت الاستقرار. إلى جانب دعم الآليات الأممية اللازمة للانتقال من الاتفاق السياسي إلى ترتيبات الحل على الأرض”.
وتبقى المفاوضات، في المقابل، عاملا حاسما في تحديد طبيعة القرار الذي سيصدر عن مجلس الأمن في أكتوبر. خصوصا أن القرار 2797 ربط المراجعة الاستراتيجية لمستقبل البعثة بنتائج المسار التفاوضي.
وبذلك، لا يبدو النقاش المرتقب حول “المينورسو” منفصلا عن مستقبل العملية السياسية نفسها. إذ يتقاطع موعد تجديد الولاية مع مساع أمريكية وأممية لدفع الأطراف نحو تحقيق تقدم قبل حلول نهاية أكتوبر.


