جمعت الانتخابات التشريعية الحالية شقيقين اختارا طريقين متباعدين في السياسة، بل يكادان يمثلان نقيضين في الموقف من الانتخابات والعمل المؤسساتي. الأول يقود حزبًا يساريًا ويشارك في الاستحقاق الانتخابي، والثاني ينتمي إلى جماعة العدل والإحسان التي اختارت مقاطعة الانتخابات. وبين الموقفين. تقف علاقة الأخوة التي لم تستطع السياسة أن تلغيها.
إنه جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، وشقيقه خالد العسري، المنتمي إلى جماعة العدل والإحسان، في صورة عائلية تختصر جانبًا من مفارقات المشهد السياسي المغربي شقيقان، من عائلة واحدة، لكن مرجعيتان سياسيتان وإيديولوجيتان مختلفتان، وموقفان متباعدان من صناديق الاقتراع والعمل المؤسساتي.
وبعيدا عن الاختلاف السياسي، اختار خالد أن يكتب عن شقيقه جمال من موقع الأخ الذي يعرفه خارج المناظرات والكاميرات والحملات الانتخابية. مقدما شهادة ركز فيها على شخصيته، وعلى الجهد الذي يبذله في العمل السياسي، وعلى الطريقة التي يتعامل بها مع الاختلاف.
خالد العسري.. شهادة من الضفة الأخرى
قال خالد العسري إنه تابع كثيرا من الحوارات الأخيرة لشقيقه جمال. مؤكدا أنه لم يكن يتابعه باعتباره مهتما بالشأن الانتخابي فقط. وإنما باعتباره أخا يعرف الرجل عن قرب، ويعرف «بعض ما وراء الكلمات من جهد وصبر ومعاناة».
ورأى خالد أن في كثير مما يقوله جمال أفكارا متقاسمة، وشجاعة في تسمية الأشياء بأسمائها. معتبرا أن هذه الخصلة أصبحت أكثر ندرة كلما اشتد ضجيج الانتخابات.
لكن ما استوقفه أكثر، بحسب شهادته، لم يكن ما يقوله شقيقه أمام الكاميرات. وإنما ما يبذله على الأرض.
سيارة تجوب المغرب على نفقة جمال
وكشف خالد في تدوينة على صفحته “بالفايسبوك”، أن جمال العسري يطوف المغرب بسيارته وعلى نفقته الخاصة. مقتطعا من وقته ومن الوقت الذي كان يمكن أن يخصصه لأسرته، ومتحملًا مشقة السفر وأعباء العمل السياسي.
واعتبر المتحدث أن الاختلاف أو الاتفاق مع جمال لا يلغي ضرورة احترام هذا الجهد وتقدير هذا الصبر. في إشارة إلى الجانب غير المرئي من العمل السياسي، حيث يتحول التنقل بين المدن واللقاءات والأنشطة الانتخابية إلى جزء من الحياة اليومية للسياسي.
كما توقف خالد عند ما يراه من سرعة بديهة لدى شقيقه في المناظرات والحوارات. وقدرته على المرافعة عن مختلف القضايا التي تهم المغاربة.
اختلاف سياسي لم يتحول إلى خصومة
من أكثر الجوانب التي أبرزها خالد في شهادته احترام جمال للاختلاف. حيث كشف أن شقيقه لم يطلب منه يوما ، لا تصريحا ولا تلميحا، أن يصوت له أو لحزبه، رغم معرفته بانتمائه وموقفه السياسي المختلف.
واعتبر القيادي في جماعة العدل والإحسان في شهداته، أن لكل واحد منهما تصوره للشأن العام. وأن الأخوة لا تختزلها المواقف السياسية ولا تحددها صناديق الاقتراع.
وتكتسب هذه النقطة دلالة خاصة بالنظر إلى المسافة السياسية والإيديولوجية بين الشقيقين، فخالد ينتمي إلى جماعة العدل والإحسان التي لا تشارك في الانتخابات. فيما يقود جمال حزبا يساريا اختار المشاركة في الاستحقاق الانتخابي والدفاع عن العمل السياسي المؤسساتي.
بين المؤسسات والشارع
وتوقف خالد كذلك عند تصور شقيقه لطريق التغيير السياسي. مشيرا إلى أن جمال يرى ضرورة الجمع بين النضال من داخل المؤسسات ومن وسط الشارع.فيما قال خالد، إن إجابته مختلفة بشكل كبير، دون أن يصل الاختلاف بينهما إلى حدود التناقض في العلاقة الإنسانية.
وتكشف هذه المفارقة عن جانب أساسي في شخصية جمال العسري السياسية فهو، من جهة، يقود حزبا يشارك في الانتخابات. ويخوض المنافسة على المؤسسات، ومن جهة أخرى، يحافظ على خطاب نقدي تجاه طريقة اشتغال المؤسسات والنظام الانتخابي. ويدافع عن إصلاحات سياسية ودستورية عميقة.
جمال العسري.. من الأستاذ والنقابي إلى قيادة الاشتراكي الموحد
خلف هذا النقاش العائلي والسياسي، يقف مسار طويل لجمال العسري. إذ ولد العسري في 11 أكتوبر 1967 بمدينة أكادير، وحصل على الدكتوراه في الأدب العربي سنة 2018، كما اشتغل أستاذًا للتعليم الثانوي التأهيلي.
وبدأ جزءا من مساره السياسي والنقابي بمدينة الداخلة، حيث ارتبط بمنظمة العمل بالداخلة، قبل أن يلتحق سنة 1996 بمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي. ثم يواصل نشاطه النقابي والسياسي بعد انتقاله إلى طنجة.
وتدرج العسري داخل اليسار المغربي، قبل أن يصبح أحد الوجوه البارزة في الحزب الاشتراكي الموحد. ويخوض تجربته الانتخابية الأولى بشكل بارز في انتخابات 2021، عندما ترأس لائحة الحزب بدائرة طنجة-أصيلة في الانتخابات التشريعية. كما ترشح في الانتخابات الجماعية بمدينة طنجة.
منيب إلى العسري.. الوصول إلى الأمانة العامة
في نونبر 2023، انتخب جمال العسري أمينا عاما للحزب الاشتراكي الموحد. خلفا لنبيلة منيب، عقب المؤتمر الوطني الخامس للحزب. ومن موقعه الجديد، أصبح العسري أحد أبرز الأصوات التي تعبر عن مواقف الحزب في قضايا الإصلاح السياسي والانتخابات والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد.
كما جعل من إصلاح المنظومة الانتخابية إحدى القضايا المركزية في خطابه. ودافع عن إحداث هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، منتقدًا استمرار إشراف وزارة الداخلية على العملية الانتخابية.
يساري داخل المؤسسات.. وخطاب نقدي خارجها
لم يختصر العسري مشاركته السياسية في خوض الانتخابات. بل ظل يقدمها باعتبارها إحدى ساحات العمل السياسي، إلى جانب الحضور في المجتمع والنضال من أجل تغيير السياسات العمومية.
وهذا ما يجعل تجربته مختلفة، في بعض جوانبها، عن تجربة شقيقه خالد. فالأول يرى في المؤسسات والانتخابات مجالا للنضال والتغيير، بينما اختار الثاني الانتماء إلى جماعة لا تشارك في الانتخابات.
لكن المفارقة لا تنتهي عند حدود الموقف من صندوق الاقتراع، إذ تكشف شهادة خالد أن الاختلاف السياسي بين الشقيقين لم يتحول إلى خصومة شخصية. وأن جمال، بحسب رواية أخيه، فصل بين علاقته العائلية وبين الخلاف حول السياسة.


