لم تكن العلاقات الجزائرية مع أجهزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان خلال هذا الصيف أقل حرارة من شدة الحر التي عرفها العالم.
أولاً: مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان
اهتمت عدة إجراءات خاصة تابعة لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بموضوع يعتبر من «المقدسات» لدى الدولة الجزائرية، ويتعلق بدور كل من جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني (FLN/ALN)، باعتبارهما حركتين تمرديتين، كما سمتهما، ارتكبتا عدة جرائم ضد الإنسانية، من اختطاف وإعدامات خارج القانون وتعذيب، خلال الفترة الممتدة بين 1954 و1962، ضد عدد من السكان، سواء منهم الخاضعون للقانون العام أو الخاضعون للوضع المدني المحلي.
بتاريخ 26 يونيو 2026، وجه مجلس حقوق الإنسان إلى الجزائر مراسلة تتعلق بحالة حقوق الإنسان، التي عرفت عدة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ارتكبت بحق آلاف الضحايا، خلال الفترة الممتدة من فاتح نوفمبر 1954 إلى 31 ديسمبر 1962، والتي ارتكبتها حركة تمرد مسلحة غير حكومية.
واستند مجلس حقوق الإنسان إلى المادة 10 من مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً. ووفقاً للقانون الدولي العرفي، فإن كل حركة تمرد أصبحت حكومة، أو أدى نشاطها إلى إنشاء دولة جديدة، تُنسب إلى هذه الدولة الأفعال غير المشروعة المرتكبة، وذلك بهدف منع الإفلات من العقاب على مرتكبي الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.
ويعود مجلس حقوق الإنسان إلى اتفاقيات إيفيان الموقعة في 18 مارس 1962، والتي وضعت خريطة طريق لوقف إطلاق النار، والموقعة بين الحكومة الفرنسية والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. إلا أن نظاماً واسعاً من عمليات الاختطاف والأفعال التي قد تُعد بمثابة اختفاء قسري عرف انتشاراً كبيراً في الجزائر الجديدة، وهي أعمال ارتكبها كل من جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني (FLN/ALN)، واستهدف من خلالها العديد من الأشخاص المشتبه في تعاطفهم مع الإدارة الاستعمارية أو الذين أُجبروا على العمل لحسابها.
إذا كانت ذكرى فاتح نوفمبر 1954 في الجزائر هي ذكرى اندلاع «الثورة»، فإن مجلس حقوق الإنسان انطلق من هذا التاريخ الذي عرف أولى هجمات جبهة التحرير الوطني، حسب الوثائق والمعلومات التي توصل بها، والمعروفة باسم «عيد جميع القديسين الأحمر» (Toussaint rouge).
ويعطي مجلس حقوق الإنسان مثال الضحية سيرج إرنست ساماكويت (Serge Ernest Samacoït)، الذي كان عسكرياً، لكنه سُرّح من الخدمة، وكان يعمل طاحن حبوب، ومن مواليد 14 مارس 1935 في لو بون دي ليسير (البلدية الحالية بن سكران، بمنطقة تلمسان)، والذي اختُطف في لاموريسيير (أولاد ميمون حالياً) على يد مناضلين من جبهة التحرير الوطني/جيش التحرير الوطني.
وحسب مجلس حقوق الإنسان، فإن المادة 5 من اتفاقيات إيفيان أقامت نظاماً صارماً لفصل القوات، يمنع الجيش الفرنسي من التدخل ضد القوات الجزائرية، وهو ما أدى إلى حالة من عدم الاستقرار الشديد التي شهدها عام 1962، وتعرض فيها عدة آلاف من الأشخاص لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان نُسبت إلى جبهة التحرير الوطني/جيش التحرير الوطني.
ومن الإشكاليات التي يطرحها المجلس أنه حتى اليوم، لم تتم محاسبة أي شخص عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المنسوبة إلى جبهة التحرير الوطني/جيش التحرير الوطني بين عامي 1954 و1962، بما في ذلك الأفعال التي يمكن أن تُعد بمثابة اختفاء قسري، والإعدام خارج نطاق القضاء، والتعذيب، والاحتجاز التعسفي.
وأضاف أيضاً أن الدولة الجزائرية الجديدة نشأت تحت القيادة والسيطرة الغالبتين لجبهة التحرير الوطني/جيش التحرير الوطني، باعتبارها الحركة السياسية والعسكرية الرئيسية التي قادت الكفاح من أجل الاستقلال. وبالتالي، حسب القانون الدولي، وخاصة المادة 10 من مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً، فإنها الآن مسؤولة عن أفعال جبهة التحرير الوطني/جيش التحرير الوطني، بما في ذلك الأفعال المرتكبة قبل الاستقلال.
ومن الإشكاليات الأخرى أيضاً، حسب المجلس، أن الجزائر لا تعترف رسمياً بمسؤوليتها الدولية عن الأفعال المنسوبة إلى جهات مسلحة غير حكومية أثناء الإدارة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، أو عن الأشخاص الذين كانوا يتصرفون بإذن أو دعم أو قبول من حكومة الدولة الجزائرية الجديدة اعتباراً من 5 يوليو 1962. لكن المجلس يذكرها بأن التزام «العناية الواجبة» يفرض على الدول منع الانتهاكات والتحقيق فيها وملاحقة مرتكبيها وجبر أضرارها، بما في ذلك عندما ترتكب هذه الانتهاكات جهات غير حكومية.
وبالتالي، تتحمل الدولة مسؤولية دولية إذا امتنعت عن إجراء تحقيقات سريعة ونزيهة وفعالة بشأن ادعاءات الانتهاكات الجسيمة، حسب المصدر نفسه، أو إذا لم تضمن للضحايا وأسرهم سبيلاً إلى انتصاف فعال، والوصول إلى الحقيقة، وتعويضات مناسبة.
وهذه العناصر تفرض على الجزائر، دون تأخير، إجراء تحقيق شامل، واتخاذ جميع التدابير اللازمة للبحث عن الشخص المفقود وتحديد مكانه، والتعاون لهذا الغرض مع جميع السلطات أو المؤسسات المعنية.
إن تغيير الوضع السياسي للحركات المسلحة غير الحكومية، حسب المجلس، لا ينصلها من المسؤولية، وعدم التعاون الإيجابي للدولة الجديدة يُعد انتهاكاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
ثانياً: الجزائر
رد الدولة الجزائرية لم يتأخر، وجاء في أواخر شهر غشت وبداية شهر شتنبر، وكان بلهجة شديدة ولغة صارمة، تطالب المنتظم الدولي بإغلاق هذا الملف نهائياً، مستندة إلى عدة حجج وذرائع.
ارتكزت حجج الجزائر على ثلاثة مستويات، وتتعلق بمقبولية المراسلات، وانعدام أي أساس قانوني أو واقعي يسمح للإجراءات الخاصة بإسناد المسؤولية عن الأفعال المزعومة إلى جبهة التحرير الوطني أو إلى الدولة الجزائرية المستقلة، وأخيراً بالسياق التاريخي والثورة التي قادتها جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني من أجل استقلال الجزائر.
بخصوص مقبولية المراسلات، ترى الجزائر أن نظام الإجراءات المعني أُنشئ في أعوام 1980 و2010 و2011 على التوالي، وأن الوقائع المزعومة تعود إلى فترة سبقت إنشاء هذه الآليات، ولذلك لا يجوز لهذه الإجراءات الخاصة أن توسع ولايتها بأثر رجعي.
أما بخصوص انعدام الأساس القانوني، فإن الحكومة الجزائرية تعود إلى مناقشة المادة 10 من مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول لعام 2001، وخاصة منها الفقرة الثانية، التي تكرّس قاعدة معترفاً بها على نطاق واسع من القانون الدولي العرفي، تسمح بإسناد أفعال حركة أدت إلى إنشاء دولة جديدة إلى تلك الدولة. إذ تؤكد أن «مواد لجنة القانون الدولي سنة 2001 لا تتمتع، في مجملها، بالقوة القانونية لمعاهدة ملزمة، وأن اللجنة أوصت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأخذ العلم بها والنظر لاحقاً في عقد مؤتمر لتدوينها»، وأن «عبارة “حركة تمردية أو أخرى” الواردة في المادة، بحسب الحكومة الجزائرية، تعكس صياغة قديمة لا تتلاءم مع وضع حركات التحرر الوطني». وبالتالي، فإنه «لا يمكن أن تشكل هذه المادة الأساس القانوني لإسناد الوقائع المزعومة إلى الدولة الجزائرية، وأن هذه الأخيرة تعتبر نفسها “معترضاً مستمراً” على هذه المادة».
وتستند الجزائر أيضاً إلى مبدأ التطبيق الزمني للقانون (intertemporalité)، ومفاده أن الواقعة القانونية ينبغي تقييمها وفق القواعد القانونية المعاصرة لوقوعها. وبالتالي، فإن مادة أُعدت سنة 2001 لا يمكن تطبيقها بصورة آلية على أفعال وقعت بين عامي 1954 و1962، ما لم يثبت أن القاعدة نفسها كانت موجودة في القانون الدولي العرفي، وبالمضمون والنطاق نفسيهما، في وقت وقوع الأحداث.
ذكرت الجزائر، في تفاعلها مع مجلس حقوق الإنسان، أن «القضية الجزائرية» أُدرجت في الأمم المتحدة منذ عام 1955، وأن الجمعية العامة اعترفت، بموجب القرار 1573 (XV) المؤرخ في 19 ديسمبر 1960، بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره واستقلاله. كما تشير إلى القرار 1724 (XVI) لعام 1961 الذي اعترف بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية طرفاً في المفاوضات مع الحكومة الفرنسية. وبالتالي تتساءل: «كيف يمكن تحميل الدولة الجزائرية مسؤولية عدم الوفاء بواجب العناية الواجبة خلال الفترة 1954–1962، في حين أنها لم تكن موجودة كدولة مستقلة، وكانت الجزائر آنذاك تحت السيطرة الاستعمارية الفرنسية؟»
وتصر الحكومة الجزائرية على أن «عدم القدرة على التحقيق في مصير بعض الأشخاص المفقودين يرتبط، بحسب موقفها، بعدم إعادة فرنسا كامل أرشيف الحرب»، وتستند في ذلك إلى القرار 34/64 للجمعية العامة للأمم المتحدة.
أما بخصوص المرتكز الثالث، والمتعلق بالسياق التاريخي والثورة التي قادتها جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني من أجل استقلال الجزائر، فإنها تنطلق من وثيقة بيان أول نوفمبر 1954، وهي رسالة كانت موجهة إلى السكان الفرنسيين والأوروبيين، مع ضمان حمايتهم وحماية ممتلكاتهم المكتسبة بصورة مشروعة. ثم تعرج على انضمام الحكومة المؤقتة إلى اتفاقيات جنيف عام 1960، وهو دليل، حسبها، على رغبة FLN وALN في إدراج نشاطهما ضمن إطار القانون الدولي الإنساني. وبالتالي، ترفض الحكومة وصف FLN بأنها «حركة تمرد»، معتبرة أن هذا المصطلح ينتمي إلى الخطاب الاستعماري الذي قدم الكفاح الجزائري على أنه مجرد «تمرد داخلي».
ومن ثم، اعتبرت الجزائر أن مراسلات مجلس حقوق الإنسان «تساهم في توظيف تاريخ وذاكرة حرب التحرير الوطنية لأغراض سياسية، وأن انتقاء بعض الوقائع وفصلها عن سياقها التاريخي والتركيز على الادعاءات الموجهة إلى FLN وALN لا يساهم في الوصول إلى عرض موضوعي للوقائع أو تعزيز حقوق الإنسان»، خاصة وأن «المراسلات تمت سنة 2026، رغم أن الوقائع المزعومة تعود إلى الفترة 1954–1962، أي بعد عقود طويلة من وقوعها».
وعليه، طالبت الجزائر بإغلاق هذا الملف «فوراً وبصورة نهائية»، بسبب عدم الاختصاص الزمني والموضوعي ونقص الأدلة.
ثالثاً: فرنسا
تدخلت فرنسا على خط المواجهة بين الجزائر وأجهزة مجلس حقوق الإنسان، باعتبارها مسؤولة عن حماية أفرادها، خاصة في الفترة ما بين التوقيع على اتفاقية إيفيان في 18 مارس 1962 إلى غاية 31 ديسمبر 1962، حيث أكدت أن «أعمال العنف التي وقعت في سياق حرب الجزائر، في الأشهر الأخيرة من السيادة الفرنسية (بين وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962 والاستقلال في 5 يوليو) والأشهر الأولى للاستقلال، أدت إلى اختفاء عدة آلاف من الأشخاص من الجنسية الفرنسية. شملت هذه الاختفاءات مدنيين وعسكريين، دون تمييز في الأصل أو الوضع المدني، لا سيما فرنسيو الجزائر ذوو القانون العام أو القانون المحلي، وعسكريو القوات النظامية أو المساعدة الفرنسية، وأن مصير جميع الفرنسيين المفقودين في الجزائر يشكل صفحة مؤلمة من تاريخ فرنسا».
وبخصوص الأرشيف الفرنسي، فقد سجلت أن تقارير الصليب الأحمر لسنة 1963 أصبحت متاحة للجميع بعد انقضاء 60 سنة، وأنها «نشرت قائمة أولى منقحة من 2230 شخصاً اعتُبروا مفقودين – أُعلن عن وفاتهم بحكم قضائي أو افترضت وفاتهم – منذ 2007 على موقع وزارة الخارجية، والآن يضم الصندوق 467QO عدد 3212 ملفاً اسمياً». كما يوجد دليل رقمي للأرشيف بعنوان «مفقودو حرب الجزائر (1954-1962)» متاح على موقع FranceArchives منذ 27 فبراير 2020 بالفرنسية والإنجليزية والعربية، وأنها أصدرت قراراً في 9 أبريل 2020 يتعلق بـ«فتح أرشيف مفقودي حرب الجزائر»، وقراراً في 25 أغسطس 2023 بفتح أرشيف حرب الجزائر. وقد فتح هذا القرار الأخير، قبل 15 سنة من الموعد، أرشيفات القضايا المعروضة أمام المحاكم وتنفيذ القرارات القضائية ووثائق تحقيقات الشرطة القضائية بين 1 نوفمبر 1954 و31 ديسمبر 1966، ونُشرت للعموم.
وبخصوص «الحركيين»، فقد وضعت الدولة الفرنسية «تدابير اجتماعية عديدة تستفيد منها أسر المفقودين». وفي حين تمت إعادة نحو 80 ألف حركي وأسرهم من الجزائر، يستفيد 2669 منهم في 2025 من منحة شهرية للاعتراف، كما تستفيد 3637 أرملة من منحة مدى الحياة. كما أُنشئ في 2018 صندوق تضامن لأبناء قدماء الحركيين الذين عاشوا صعوبات مالية في مخيمات العبور.
كما «أُقر حق في الجبر بموجب القانون رقم 2022-229 المؤرخ في 23 فبراير 2022 المتضمن اعتراف الأمة وجبر الضرر للحركيين وغيرهم من الأشخاص العائدين من الجزائر ذوي الوضع المدني المحلي سابقاً، بسبب ظروف استقبالهم ومعيشتهم غير اللائقة في بعض الهياكل على التراب الفرنسي، وأن نحو 50 ألف شخص معنيون بهذا التدبير». كما تم إصدار «مرسوم 31 مارس 2003 جعل 25 سبتمبر يوماً وطنياً لتكريم الحركيين»، و«القانون 2012-1361 المؤرخ في 6 ديسمبر 2012 جعل 19 مارس يوماً وطنياً للذكرى والترحم على الضحايا المدنيين والعسكريين لحرب الجزائر».
رابعاً: عودة إلى الجزائر
أصدرت مجلة الجيش الوطني الشعبي عددها الدوري لشهر شتنبر، حيث خصصت حيزاً مهماً لتاريخ مقاومة الاستعمار الفرنسي، وخاصة منه الجانب الدبلوماسي والسلمي. إذ أكد مقال مركزي حول «الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، انتصار لدبلوماسية الثورة»، جاء فيه أن «الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية جاءت بناء على ما أورده بيان فاتح نوفمبر 1954، الذي نص على اعتماد وسائل أخرى في الكفاح ضد الاستعمار، عن طريق توظيف العمل الدبلوماسي توظيفاً رسمياً كاملاً في المحافل الدولية والإقليمية».
وخلص المقال إلى أن «انضمام الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية إلى اتفاقيات جنيف ساهم في تكييف النزاع المسلح الدائر في الجزائر كنزاع مسلح دولي تنطبق عليه مجموعة قواعد ومبادئ القانون الدولي الإنساني، وهو ما يتساوق مع المبادئ الإنسانية السلمية التي تضمنها بيان أول نوفمبر 1954، والذي احتوت مضامينه الكثير من القيم النبيلة. إذ إنه، عقب تأسيس هذا الجهاز بأسبوع فقط، وبتاريخ 29 ديسمبر 1958، أصدرت الحكومة المؤقتة مرسوماً يتضمن الإفراج عن أسرى الحرب دون قيد أو شرط على عدة مراحل، كما تم منح مبلغ من المال لكل جندي معتقل وتذكرة سفر للعودة إلى وطنه. واستفاد من هذه المبادرة الإنسانية 51 أسيراً خلال عامي 1958 و1959، وزهاء 3300 جندي من اللفيف الأجنبي في السنة الموالية».
ختاماً
إن السرد الوصفي للتقارير، فيما يتعلق بالمعطيات والمعلومات الواردة في هذه المقالة، لا يصل إلى بناء تحليل دقيق، والهدف بالأساس يعود إلى عاملين أساسيين:
أولاً: أننا أمام تمرين دولي جديد يتعلق بنقاش حول مسؤولية حركات تُسمى من طرف جهة ما مقاومةً ضد الاستعمار، وتبني مشروعيتها على مبدأ تقرير المصير، في مقابل أن تراها جهات أخرى حركات متمردة، وتبني مشروعيتها على مبدأ عدم الإفلات من العقاب وعدم تقادم جرائم الاختطاف والتعذيب والإعدام خارج القانون.
ثانياً: ويتعلق الأمر بامتحان جديد للحركة الحقوقية المغربية، لمساءلة الدولة الجزائرية عن الجرائم المرتكبة من قبل ميليشيات غير دولتية وحركة متمردة غير حكومية تنشط داخل التراب الجزائري، وهي البوليساريو، وقد تم توثيق عدد من حالات التعذيب والإعدام العشوائي خارج إطار القانون والاختطاف التي قامت بها هذه الميليشيات ضد مغاربة، جنوداً ومدنيين.
فمسؤولية الدولة الجزائرية، بالإضافة إلى الاحتضان داخل التراب الجزائري، تتمثل في تحمل مسؤولية الدعم المالي، لكون هذه الميليشيات لا تمتلك بنكاً مركزياً ولا عملة مستقلة تمكنها من شراء الأسلحة والذخيرة في السوق الدولية وإبرام الصفقات، وكذلك الدعم العسكري، لكون هذه الميليشيات الموجودة ليس لها مجال جوي ولا بحري يمكنها من استيراد العتاد العسكري بشكل قانوني ونقله من المورد إلى ثكناتها العسكرية، ولا صفقات قانونية دولية تمكنها من الدخول في سلسلة التوريد العالمية دون إذن من السلطات الجزائرية (Supply chain)، إضافة إلى الدعم الاستخباراتي، لكون هذه الميليشيات ليس لها نطاق رقمي دولي حتى تتمكن من بناء منظومة سيبرانية ومعلوماتية اختراقية، والدعم الدبلوماسي، لكون هذه الميليشيات ليس لها جواز سفر دولي يتمكن أفرادها من خلاله من السفر ولقاء أو دخول مقرات البعثات والأجهزة الدبلوماسية الدولية والأوروبية.


