بقلم: د. اشرف بولمقوس – باحث في العلوم السياسية و القانون الدستوري
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في 23 شتنبر 2026، يبدو أن السؤال الانتخابي يعود، مرة أخرى، إلى الواجهة من بوابة الوعود الاجتماعية والاقتصادية، ومن خلال خطاب يَعِدُ بتحسين القدرة الشرائية، وخلق فرص الشغل، وتوسيع الخدمات، وتخفيف أعباء الحياة اليومية. وهي قضايا مشروعة، بل لا يمكن لأي خطاب سياسي جاد أن يتجاهلها. لكن ما يستحق التوقف عنده هو أن السياسة، في كثير من مظاهرها الانتخابية، تكاد تنحصر في هذه الدائرة الضيقة: ماذا سيحصل المواطن؟ وكم سيُضاف إلى دخله؟ وما المنفعة التي يمكن أن تصل إليه في أقرب وقت؟
ليس العيب في أن تكون للسياسة صلة بالخبز، وإنما في أن تتحول إلى خبز فقط. فحين يغيب السؤال عن نوع المجتمع الذي نريد بناءه، وعن موقع المدرسة والجامعة والثقافة والعدالة والحريات والمؤسسات، وعن معنى الدولة التي نطمح إليها، يصبح الخطاب الانتخابي أقرب إلى تدبير الحاجات منه إلى اقتراح مشروع سياسي. والسياسة، في معناها النبيل، ليست مجرد توزيع للمنافع، بل هي القدرة على تحويل المطالب الاجتماعية إلى اختيارات عمومية، وتحويل القلق الجماعي إلى رؤية، وتحويل الحاضر بما يفرضه من إكراهات إلى مستقبل يستحق أن يُبنى.
ولعل أكثر ما يثير القلق في المشهد الانتخابي ليس غياب الوعود، بل غياب الرهان السياسي. فالبرنامج الحقيقي لا يُقاس بعدد الالتزامات التي يتضمنها، ولا بحجم الأرقام التي تُعلن في المهرجانات، وإنما بقدرته على الإجابة عن أسئلة صعبة: كيف نريد أن تكون المدرسة المغربية بعد خمس سنوات؟ ما موقع الجامعة والبحث العلمي في الاقتصاد الوطني؟ كيف نعيد الاعتبار للإدارة العمومية؟ كيف نواجه الفوارق المجالية؟ ما النموذج التنموي الذي نريده في ظل التحولات الدولية؟ وكيف ننتقل من اقتصاد يخلق الثروة إلى دولة تضمن توزيعاً أكثر عدلاً لثمارها؟
صحيح أن بعض الأحزاب قدمت برامج تتضمن التزامات وأرقاماً في مجالات التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية، وأن الخطاب الانتخابي لا يخلو، من حيث الوثائق، من مقترحات تتجاوز الإغراء المباشر. لكن الإشكال يظل قائماً في المسافة بين وجود البرنامج على الورق، وحضوره باعتباره تعاقداً سياسياً في وعي الناخب وفي النقاش العمومي. فالبرنامج لا يصبح فعلاً سياسياً لمجرد نشره، بل حين يكون موضوعاً للنقاش والمساءلة، وحين يوضح أصحابه أولوياتهم ووسائل تمويلها، ويقبلون بأن يُحاسَبوا على نتائجها.
وفي المقابل، يبدو أن منطق الإغراء الانتخابي ما يزال يحتفظ بمكانة واسعة في الممارسة. إغراءٌ قد يأخذ شكل وعد بمساعدة أو منفعة أو تدخل ظرفي، وقد يتخذ صورة خطاب يختزل السياسة في القدرة على قضاء الحاجات الفردية. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بسلوك المرشحين، بل أيضاً ببنية العلاقة بين الناخب والمنتخب، حين يُدفع المواطن إلى النظر إلى صوته باعتباره مقابلاً لخدمة، لا باعتباره أداة للمشاركة في تحديد اتجاه البلاد. وفي هذه البيئة يجد الأعيان، بما راكموه من شبكات اجتماعية وعلاقات محلية ووسائل تأثير، مجالاً أوسع للحضور، بينما تتراجع أحياناً مكانة الفاعل السياسي الذي يفترض أن يستمد شرعيته من الفكرة والتنظيم والبرنامج.
ولا يعني ذلك أن كل مرشح ذي حضور محلي يفتقر إلى المشروع، أو أن كل فاعل حزبي يشتغل بمنطق الإغراء؛ فالتعميم هنا لا يخدم الفهم. لكن هيمنة الاعتبارات الشخصية والمحلية على التنافس الانتخابي، متى اتسعت على حساب النقاش حول السياسات العمومية، تطرح سؤالاً جدياً حول طبيعة التمثيل السياسي الذي نريده: هل نريد منتخباً يجيد تدبير العلاقات والوساطات، أم ممثلاً يمتلك تصوراً للدور الذي ينبغي أن تؤديه المؤسسة التشريعية والحكومة في حياة المواطنين؟
ثم إن بؤس الخطاب السياسي لا يُقاس فقط بما يُقال، بل أيضاً بما لا يُقال. ففي الوقت الذي تواجه فيه البلاد رهانات كبرى مرتبطة بالتنمية، والتحولات الديموغرافية، والماء والطاقة، والعدالة المجالية، والرقمنة، والتعليم، وتغيرات الاقتصاد العالمي، لا يبدو النقاش العمومي دائماً في مستوى هذه الأسئلة. وكأن الانتخابات تُختزل في منافسة على تدبير الحاضر، بينما يُترك المستقبل، بما يحمله من كلفة سياسية وقرارات صعبة، خارج دائرة الخطاب الانتخابي. إن الرهان الحقيقي ليس أن نعد الناس بحياة أسهل فقط، بل أن نقنعهم بأن السياسة قادرة على جعل الحياة العامة أكثر عدلاً، والدولة أكثر فعالية، والمجتمع أكثر ثقة في مؤسساته.
أما النتائج الممكنة لهذه الانتخابات، فلا ينبغي قراءتها فقط من زاوية الحزب الذي سيحصل على أكبر عدد من المقاعد، أو من خلال أسماء من سيتصدرون المشهد. فالأهم هو ما إذا كانت الخريطة السياسية المقبلة ستسمح بإعادة بناء علاقة أكثر وضوحاً بين الأغلبية الحكومية وبرنامجها، وبين المعارضة وأدوارها الرقابية والاقتراحية، وبين البرلمان والمجتمع. كما أن دلالة النتائج لن تتحدد فقط في توزيع المقاعد، بل في مستوى المشاركة، وفي قدرة الأحزاب على استعادة ثقة فئات واسعة من المواطنين، ولا سيما الشباب، وفي مدى تحول التنافس الانتخابي من مجرد مناسبة لتجديد النخب إلى فرصة لتجديد السياسة نفسها.
وقد تفتح الانتخابات، أياً كانت مآلاتها، نقاشاً حول الحاجة إلى مراجعة علاقة الأحزاب بالمجتمع، وتجديد خطابها، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي باعتباره ممارسة جماعية تتجاوز الأشخاص والولاءات الظرفية. وقد تكرس، في المقابل، بعض مظاهر الاستمرارية إذا ظل التنافس محكوماً بمنطق الشبكات الانتخابية والوعود المتفرقة أكثر مما تحكمه المشاريع والاختيارات. لكن لا ينبغي استباق النتائج أو تحميلها ما لا تحتمل؛ فالمعنى السياسي لأي خريطة انتخابية لا يتضح كاملاً ليلة الاقتراع، وإنما يتبلور من خلال طريقة تشكيل الحكومة، وأولوياتها، وأداء البرلمان، وطبيعة النقاش العمومي الذي ستنتجه المرحلة المقبلة.
في النهاية، ليست المشكلة أن يَعِدَ السياسي المواطن بالخبز، بل أن ينسى أن للخبز سياسة، وللمدرسة سياسة، وللمستشفى سياسة، وللعدالة سياسة، وللكرامة سياسة. وليست المشكلة أن يبحث المرشح عن أصوات الناس، بل أن يتحول الناس إلى مجرد أصوات، وأن تتحول الانتخابات إلى موسم عابر من الإغراء، بدل أن تكون لحظة لتجديد الثقة في فكرة المشاركة وفي جدوى السياسة.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى من يعد بتدبير أفضل للحاضر، بل إلى من يمتلك الشجاعة السياسية لاقتراح مستقبل مختلف، والقدرة المؤسساتية على تحويل ذلك المستقبل إلى سياسات قابلة للإنجاز والمساءلة.


