بقلم: جلال المخفي
في مكان ما من منطقة الساحل، قد لا تحتاج جماعة مسلحة اليوم إلى طائرة حربية أو مروحية أو قاعدة جوية حتى تتمكن من الوصول إلى هدف عسكري. يكفيها أحيانا جهاز صغير يباع في الأسواق المدنية، وبرمجيات متاحة على نطاق واسع، ومعرفة تقنية يمكن اكتسابها بسرعة، ثم إضافة وسيلة تفجير بدائية أو استخدام الطائرة للمراقبة وتحديد الهدف. تغير المشهد هنا ليس في حجم السلاح فحسب، بل في المعادلة التي تحكم الحرب نفسها: لم يعد الطرف الذي يملك الطائرات والصواريخ هو الوحيد القادر على فرض كلفة جوية على خصمه.
هذه النقلة بدأت تتبلور أولا في ساحات نزاع مثل ساحة اليمن حيث أظهر الحوثيون كيف يمكن للمسيرات والصواريخ منخفضة الكلفة نسبيا أن تفرض تهديدا على منشآت استراتيجية وممرات بحرية، ثم هناك مثال أوكرانيا التي تحولت إلى مختبر واسع لاستخدام المسيرات الرخيصة في الاستطلاع والهجوم والاستنزاف. ثم انتقلت هذه الخبرات والتقنيات، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى فضاءات أكثر هشاشة في إفريقيا، حيث دخل انتشار السلاح منخفض الكلفة خلال 2025 و2026 مرحلة أكثر نضجا وخطورة.
ففي منطقة الساحل، انتقلت جماعات مسلحة من استخدام المسيرات التجارية للاستطلاع والتصوير إلى توظيف بعضها في هجمات مباشرة، فيما أصبحت المسيرات جزءا من منظومة أوسع تجمع الاستطلاع، وتحديد الأهداف، وتوجيه الهجمات، والدعاية. ويشير مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد إلى أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وسعت منذ 2024 استخدام المسيرات المسلحة، بحيث أصبحت هجماتها المعتمدة عليها تمتد إلى مالي وبوركينا فاسو والطوغو، حيث يتم استعمالها في هجمات انتحارية وضربات موجهة بعد الاستطلاع واستخداما دعائيا للصور الجوية.
المفارقة أن هذا التطور لا يحتاج بالضرورة إلى صناعة عسكرية متقدمة. فالمسيرة التجارية التي كانت مخصصة للتصوير أو الزراعة أو المراقبة يمكن أن تتحول، بعد تعديلات بسيطة، إلى أداة عسكرية. وهنا تكمن أهمية الظاهرة وخطورتها: السلاح لم يصبح أرخص فقط، بل أصبحت المعرفة اللازمة لاستخدامه أرخص وأسهل انتشارا. وهذا ما يجعل الانتشار العسكري منخفض الكلفة أخطر من مجرد انتشار نوع جديد من الأسلحة.
معادلة الكلفة
لنتخيل موقعا عسكريا في منطقة صحراوية شاسعة. الدولة مطالبة بحمايته على مدار الساعة، وبتركيب أجهزة رصد واتصالات، وربما وسائل حرب إلكترونية ودفاع جوي، فضلا عن تدريب الأفراد وتشغيل المنظومة وصيانتها. في المقابل، يستطيع مهاجم استخدام مسيرة تجارية لا تساوي سوى جزء ضئيل من كلفة المنظومة التي يفترض أن تكتشفها وتمنعها.
هنا تظهر المشكلة التي قد تكون أهم من قدرة المسيرة نفسها على إحداث الضرر. إذا كان ثمن الهجوم منخفضا جدا، يصبح بإمكان المهاجم تكراره مرات عديدة، بينما يتحمل المدافع كلفة الاستعداد لكل هجوم محتمل، حتى عندما لا يقع الهجوم فعلا. وبذلك يتحول الأمن إلى سباق استنزاف اقتصادي: المهاجم يدفع عند التنفيذ، أما المدافع فيدفع قبل التنفيذ وبعده وفي كل يوم.
وتقدم إفريقيا أمثلة متزايدة على هذه المعادلة. فقد وثقت تقارير متخصصة خلال 2025 استخدام جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لمسيرات تحمل عبوات ناسفة في مالي وبوركينا فاسو، بينما أظهرت تقارير أخرى أن تنظيم الدولة في غرب إفريقيا استخدم المسيرات المسلحة في هجمات متزامنة ضد مواقع عسكرية نيجيرية. وفي شتنبر 2026، سلطت تقارير دفاعية الضوء مجددا على استخدام الجماعات المتطرفة للمسيرات في الهجمات، بما يؤكد أن المسألة لم تعد تجربة محدودة أو حادثة معزولة.
لكن الرقم الأهم ليس فقط عدد المسيرات التي تمتلكها هذه الجماعات، وإنما عدد الوظائف العسكرية التي يمكن لمسيرة رخيصة أن تؤديها. فهي تستطيع أن: ترى من فوق، تصور، تراقب حركة القوات، تساعد على تحديد موقع الهدف، تنقل المعلومات، وفي بعض الحالات تحمل ذخيرة أو عبوة. وبذلك يمكن لأداة واحدة أن تجمع وظائف كانت تتطلب في السابق طائرة استطلاع، وفريق مراقبة، ووسيلة اتصال، وأحيانا طائرة هجومية.
الساحل هو المختبر
ليس من قبيل المصادفة أن يظهر هذا التطور بقوة في الساحل. فالمساحات الجغرافية الهائلة، وضعف تغطية الرادارات في مناطق واسعة، وصعوبة مراقبة الحدود الطويلة، وتراجع قدرات بعض الدول بعد سنوات من الاضطراب السياسي، كلها عوامل تجعل المسيرة أداة مناسبة جدا لجماعات لا تستطيع امتلاك قوة جوية تقليدية.
والأهم أن الجماعات المسلحة تتعلم من بعضها. فالخبرة لا تنتقل بالضرورة في صورة طائرة جاهزة؛ يمكن أن تنتقل في صورة فكرة أو طريقة استخدام أو تعديل تقني أو تسجيل مصور يشرح نجاح هجوم سابق. ولذلك فإن انتشار التكنولوجيا العسكرية منخفضة الكلفة يختلف عن انتشار الأسلحة التقليدية: السلاح يمكن مصادرته، أما المعرفة فمن الصعب مصادرتها.

وتزداد أهمية هذه المسألة إذا وضعناها في سياق التدهور الأمني العام في الساحل. فقد سجل مركز الدراسات الاستراتيجية الإفريقية أكثر من 20 ألف وفاة مرتبطة بالعنف الجهادي في إفريقيا خلال 2026 للسنة الرابعة على التوالي، فيما استحوذت منطقة الساحل على 42 في المائة من إجمالي هذه الوفيات. وسجل المركز 9928 وفاة مرتبطة بالجماعات المسلحة في الساحل، خصوصا في بوركينا فاسو ومالي والنيجر. كما ارتفعت الوفيات المرتبطة بالعنف عن بعد بنسبة 42 في المائة خلال السنة الماضية، مع استمرار توسع استخدام المسيرات.
هذه الأرقام لا تعني أن المسيرات هي سبب التدهور الأمني في الساحل. العكس هو الصحيح: الصراع والفراغ الأمني هما اللذان وفرا البيئة التي سمحت لهذه التكنولوجيا بالانتشار. لكن المسيرات أصبحت الآن عاملا يضاعف قدرة الجماعات المسلحة على استغلال تلك البيئة.
من الساحل إلى الشمال
الخطأ سيكون في النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها مشكلة تخص مالي أو بوركينا فاسو أو النيجر وحدها. فالمسارات الأمنية في إفريقيا لا تتوقف عند الحدود السياسية. ومنطقة الساحل ترتبط بشمال إفريقيا عبر التجارة والهجرة غير النظامية وشبكات التهريب وحركة الأشخاص والأسلحة، فضلا عن ليبيا والسودان اللذين يمثلان نقطتين إضافيتين في المشهد الأمني الإقليمي.
وتقدم الحرب السودانية مثالا أكثر وضوحا على ذلك. ففي سبتمبر 2026 كشفت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة أن الدعم العسكري الخارجي – بما في ذلك الطائرات المسيرة والأسلحة والأفراد المتخصصون-، أصبح عاملا أساسيا في استمرار الحرب، فيما أشارت تقارير إلى مقتل أكثر من ألف شخص في هجمات بالمسيرات خلال النصف الأول من 2026.
وهنا يظهر اختلاف مهم بين الساحل والسودان. ففي السودان نشهد استخداما أكثر تطورا للمسيرات ضمن حرب بين قوى تمتلك قدرات عسكرية كبيرة ودعما خارجيا، بينما يظهر في الساحل اتجاه مختلف يقوم على نقل بعض وظائف القوة الجوية إلى جماعات مسلحة لا تمتلك جيشا نظاميا. لكن النتيجة الاستراتيجية واحدة: انخفاض كلفة الوصول إلى المجال الجوي المنخفض.
وهذا هو السبب في أن ليبيا والسودان والساحل يجب أن ينظر إليها ضمن فضاء أمني متصل، حتى عندما تختلف طبيعة الصراعات فيها. فكل تطور تقني ناجح في إحدى ساحات القتال يمكن أن يتحول إلى درس قابل للنقل إلى ساحة أخرى.
المغرب أمام معادلة جديدة
بالنسبة إلى المغرب، لا توجد معطيات موثوقة تبرر الحديث عن تهديد وشيك من جماعات الساحل باستخدام المسيرات ضد الأراضي المغربية. كما لا توجد، في المعطيات المتاحة حاليا، أدلة كافية للقول إن تقنيات المسيرات المستخدمة من الحوثيين أو جماعات الساحل تنتقل مباشرة إلى جبهة البوليساريو. لكن غياب التهديد المباشر لا يعني غياب المشكلة الاستراتيجية.
المغرب يوجد في شمال إفريقيا على تماس جغرافي وسياسي واقتصادي مع فضاء الساحل، كما أن جزءا من حدوده ومجاله الترابي يقع في بيئة صحراوية واسعة تجعل المراقبة الجوية والاستطلاع واكتشاف الأهداف تحديا دائما. وفي هذه البيئة، قد لا تكون المشكلة في مسيرة عسكرية متطورة، بل في انتشار عدد كبير من المسيرات التجارية المعدلة أو منخفضة الكلفة التي يصعب توقع مصدرها ومسارها واستخدامها.
وهنا تصبح المسألة مختلفة عن الدفاع الجوي التقليدي. فالمغرب يستطيع التعامل مع طائرة مقاتلة أو صاروخ باليستي ضمن منظومات دفاعية مصممة لهذا النوع من التهديدات، لكن التعامل مع عشرات أو مئات الأهداف الصغيرة والبطيئة والرخيصة يطرح سؤالا اقتصاديا وتقنيا آخر: هل من المنطقي استخدام منظومة اعتراض باهظة الثمن ضد كل هدف منخفض الكلفة؟
هذه هي المعادلة التي بدأت الجيوش الحديثة تسميها عمليا “معركة الكلفة مقابل الكلفة”. وقد أصبح هذا السؤال أكثر إلحاحا مع اتساع استخدام المسيرات في الحروب الحديثة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وإفريقيا.
سباق جديد
المغرب ليس خارج هذا التحول. فقد بلغت نفقات المغرب العسكرية نحو 6.33 مليارات دولار في 2025، بزيادة 6.6 في المائة عن 2024، وفقا لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. كما تشير المعطيات المنشورة إلى أن المملكة تتجه إلى توسيع قاعدتها الصناعية الدفاعية، مع إطلاق مشاريع مرخصة واستثمارات في هذا المجال.
الأهمية هنا لا تكمن فقط في ارتفاع الإنفاق، وإنما في الاتجاه الذي يمكن أن يأخذه هذا الإنفاق. فانتشار المسيرات منخفضة الكلفة يجعل الاستثمار في الطائرات والمنظومات التقليدية ضروريا، لكنه يجعل الاستثمار في كشف المسيرات والتشويش عليها والحرب الإلكترونية وأجهزة الاستشعار والبرمجيات والذكاء الاصطناعي ضروريا أيضا.
وهذا مجال يمكن للمغرب أن يحوله من عبء أمني إلى فرصة صناعية. فبدلا من التعامل مع المسيرة باعتبارها مجرد قطعة عسكرية ينبغي شراؤها، يمكن النظر إلى منظومة المسيرات باعتبارها سلسلة صناعية كاملة: تصنيع الهياكل والمحركات والمكونات الإلكترونية، أنظمة الاتصال والتحكم، البرمجيات، أجهزة الكشف، وسائل التشويش، أنظمة الحماية، وتحليل البيانات.
وفي هذا السياق، يصبح بناء صناعة دفاعية مغربية أكثر ارتباطا بالواقع الجديد. فالرهان ليس فقط على إنتاج أسلحة كبيرة ومكلفة، وإنما أيضا إنتاج التكنولوجيا التي تسمح باكتشاف سلاح صغير ورخيص قبل أن يتحول إلى مشكلة كبيرة.
أربعة سيناريوهات
السيناريو الأول هو الانتشار المحدود. تظل المسيرات أداة إضافية في يد الجماعات المسلحة، تستخدم أساسا للاستطلاع أو في هجمات متفرقة. في هذه الحالة يكون تأثيرها الأمني قابلا للاحتواء، لكن على الدول أن تطور قدرات الكشف والمراقبة دون الدخول في سباق تسلح واسع.
السيناريو الثاني هو دمقرطة القوة الجوية. تصبح المسيرات الرخيصة أكثر دقة، وأسهل في التشغيل، وأوسع انتشارا، ويصبح الحصول عليها ممكنا لجماعات وشبكات لا تمتلك موارد دولة. عندها لن يكون امتلاك قوة جوية تقليدية شرطا لامتلاك قدرة على تنفيذ هجمات جوية محدودة.
السيناريو الثالث أكثر تعقيدا، ويتمثل في اندماج المسيرات مع الجريمة المنظمة. فشبكات التهريب التي تستخدم الصحراء والمناطق الحدودية يمكن أن تجد في المسيرات وسيلة للمراقبة والاستطلاع ونقل بعض السلع أو مراقبة تحركات قوات الأمن. وعندما تلتقي الخبرة الإجرامية بالتكنولوجيا العسكرية، يصبح الفصل بين التهديد الإرهابي والتهديد الإجرامي أكثر صعوبة.
أما السيناريو الرابع فهو الانتقال إلى الأسراب. هنا لا تكمن المشكلة في مسيرة واحدة، بل في عدد كبير من المسيرات الصغيرة التي تعمل بصورة متزامنة. وهذا النوع من التهديد يغير الحسابات جذريا، لأن منظومة الدفاع قد تكون قادرة على إسقاط هدف واحد أو عدة أهداف، لكنها تواجه مشكلة مختلفة عندما تصبح الأهداف كثيرة ومتزامنة ورخيصة.
ولا يعني ذلك أن هذا السيناريو أصبح واقعا منتشرا في شمال إفريقيا. لكنه يمثل اتجاها تقنيا ينبغي مراقبته، لأن المسافة بين النموذج التجاري والتطبيق العسكري تتقلص بسرعة.
الخطر غير المرئي
المشكلة الاستراتيجية الأكبر قد لا تكون في المسيرة التي تضرب هدفا، وإنما في المسيرات التي لا تضرب شيئا.
إذا اضطرت دولة إلى مراقبة آلاف الكيلومترات من الحدود والمجال الصحراوي تحسبا لاحتمال استخدام مسيرات منخفضة الكلفة، فإنها ستحتاج إلى مزيد من أجهزة الاستشعار، ومراكز المراقبة، والموارد البشرية، والاتصالات، والتحليل الإلكتروني. أي أن التهديد يستطيع أن يفرض كلفة حتى عندما يفشل في تنفيذ الهجوم.
وهذا تحديدا ما يجعل الانتشار العسكري منخفض الكلفة تحولا في ميزان القوة، وليس مجرد تطور تقني. فالقوة لم تعد تقاس فقط بقدرة السلاح على التدمير، وإنما بقدرته على إجبار الخصم على إنفاق موارد أكبر بكثير من تكلفة الهجوم نفسه.

في الساحل، بدأت هذه المعادلة تظهر بالفعل. وفي السودان، أصبحت أكثر وضوحا مع دخول المسيرات في قلب الحرب. وفي شمال إفريقيا، لم تصل بعد إلى المستوى نفسه، لكن البيئة الجغرافية والسياسية تجعل تجاهلها خطأ استراتيجيا.
فرصة للمغرب
المغرب لا يحتاج إلى الدخول في سباق مفتوح مع كل ما ينتج في العالم من مسيرات. الأجدى هو بناء منظومة متكاملة لمواجهة المسيرات تقوم على ثلاث طبقات: الكشف المبكر، والتصنيف والتحليل، ثم الاعتراض بأقل كلفة ممكنة.
ويفترض ذلك الاستثمار في: الرادارات الخفيفة، المستشعرات البصرية والحرارية، أنظمة تحديد الإشارات، الحرب الإلكترونية، البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطوير وسائل اعتراض منخفضة الكلفة. كما ينبغي توسيع التعاون بين القوات المسلحة والجامعات والشركات الناشئة والمؤسسات الصناعية، حتى لا يبقى الابتكار في هذا المجال حكرا على الشركات العسكرية الكبرى.
وهنا يمكن أن يتحول التهديد إلى فرصة اقتصادية. فالدول الإفريقية التي تواجه تمدد المسيرات تحتاج خلال السنوات المقبلة إلى معدات كشف وحماية أكثر مما تحتاج إلى شراء عدد غير محدود من الطائرات المقاتلة. وإذا نجح المغرب في بناء صناعة تنافسية في هذا المجال، فإنه لا يحمي مجاله فقط، بل يمكنه أن يتحول إلى مزود إقليمي لحلول المراقبة والحماية والحرب الإلكترونية.
المعادلة الجديدة إذن ليست أن السلاح أصبح أقوى، وإنما أن السلاح أصبح أرخص من منظومة الدفاع عنه. وهذه نقطة فارقة في التفكير الأمني خلال العقد المقبل. فالمسيرة التي تكلف مئات أو آلاف الدولارات قد تجبر دولة على تشغيل منظومة تبلغ كلفتها ملايين الدولارات، وإذا تكرر الأمر عشرات المرات فإن الحرب تتحول إلى اختبار لقدرة الاقتصاد على الاحتمال بقدر ما هي اختبار لقدرة الجيش على القتال.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المغرب وشمال إفريقيا ليس: كم عدد المسيرات التي يملكها خصومنا اليوم؟ بل: كم ستكلفنا حماية كل منشأة وحدود وموقع حيوي إذا أصبح امتلاك المسيرة متاحا للجميع؟
من هنا يبدأ التحول الحقيقي. فالمعركة المقبلة قد لا تكون مع طائرة تأتي من بعيد، بل مع آلاف الأجهزة الصغيرة التي تصعب رؤيتها، ورخيصة بما يكفي لإعادة المحاولة، ومتاحة بما يكفي لكي لا يكون من الممكن افتراض أن الخطر سيأتي دائما من جيش نظامي.
وفي هذه الحرب الجديدة، قد لا يكون أخطر سلاح هو الذي يستطيع التدمير أكثر، بل ذلك الذي يستطيع إجبار خصمه على الإنفاق أكثر.


