بقلم: ثريا لحرش
التقينا بدون ميعاد سابق، وتناقشنا في الوضع العام، وكنا من مشارب مختلفة. كانت دردشتنا بعيدة عن أي لون حزبي؛ لم يجمعنا انتماء سياسي مشترك.
كان الدخول المدرسي حاضراً بقوة في حديثنا، بمصاريفه التي التحقت بمصاريف العطلة، كما قالت إحدى الصديقات: «يدو في يد خوه». كان هناك شبه إجماع على أن مصاريف تمدرس الأطفال أصبحت مكلفة جداً، وأن التعليم الجيد بات يتطلب إمكانات مادية مهمة. فكلما ارتبطت المدرسة بجودة التعليم، وبمستوى خدمات أفضل، وبمؤسسات يقصدها أبناء الأسر الميسورة، ارتفعت الكلفة أكثر. وكأن التعليم أصبح سلعة تُعرض في السوق، وأصبحت الجودة، في كثير من الحالات، مرتبطة بما تستطيع الأسرة أن تؤديه. وهنا يطرح السؤال نفسه: ماذا عن الأسر التي لا تستطيع تحمل هذه الكلفة؟ وهل أصبح الحصول على تعليم جيد امتيازاً مرتبطاً بالقدرة الشرائية، بدل أن يكون حقاً مكفولاً لجميع الأطفال على قدم المساواة؟
وتضاعف هذا الإحساس حين تناولنا كلفة التعليم بتفاصيل أدق: بين أداء رسوم المدارس والمعاهد الخاصة من جهة، والساعات الإضافية التي غدت شبه إلزامية لضمان مستوى تعليمي مقبول من جهة أخرى، تلتهم هذه المصاريف مجتمعةً أجورنا، وأجمعنا أن مدرسة عمومية ذات جودة عالية هي الحل.
وامتد الحديث إلى الفوارق الطبقية التي باتت تلامسنا نحن أنفسنا، نحن أطر الدولة: مهندسون وأطباء وأساتذة وموظفون، لا نملك مورداً للدخل غير أجرتنا. لم نعد نطمع في أن نكون برجوازية صغرى، ولا حتى طبقة وسطى؛ فقد سقطنا، وتحدّرنا إلى طبقة تعافر بحثاً عن العيش الكريم.
ولم يكن التعليم وحده محور انشغالنا، بل امتد الحديث ليشمل تراجعاً محسوساً في مستوى الخدمات الاجتماعية عموماً: من صحة عمومية تعاني الاكتظاظ ونقص الموارد، إلى بنيات تحتية اجتماعية لا تواكب حاجيات المواطنين، مروراً بالبطالة التي باتت هاجساً يؤرق كل بيت تقريباً، سواء تعلق الأمر بشباب حاملي الشهادات لا يجدون موطئ قدم في سوق الشغل، أو بأرباب أسر يخشون فقدان عملهم في أي لحظة. وما لفت انتباهي أن هذا الإحساس بالتراجع لا يحمل أي لون حزبي؛ فالمواطن، بصرف النظر عن انتمائه أو عدم انتمائه السياسي، بات يحمل انطباعات سلبية عن السياسات العمومية، ليس لأنه معارض بالضرورة، بل لأنه يعيش يومياً أثر هذه السياسات على جيبه وعلى مستقبل أبنائه. وهنا يكمن الفرق الجوهري: بين خطاب سياسي حزبي يُقيَّم وفق مواقعه، وإحساس شعبي عام يتشكل من التجربة اليومية المعاشة، بعيداً عن أي حسابات أو انتماءات.
وفي خضم هذه الانشغالات، تنبّهنا إلى فئة أخرى غائبة عن أغلب النقاشات العمومية والبرامج السياسية: كبار السن. فلا أحد تقريباً يتحدث عن أوضاعهم، ولا عن احتياجاتهم الصحية والنفسية والاجتماعية، ولا عن التقاعد الذي بات هو الآخر مصدر قلق لا أمان. وكأن قضاياهم لا تستحق مكاناً في أجندة السياسات العمومية، رغم أنهم جيل بنى وضحّى، ويستحق اليوم اهتماماً يليق بما قدّمه.
ولم يكن الحديث عن الأرقام والسياسات وحده ما شغلنا، بل تجاوزه إلى وجع أقرب وأعمق: أوضاع النساء، وبالأخص ربات البيوت منهن، اللواتي يجاهدن بأجرة واحدة لتغطية كل شيء تقريباً: التعليم والمستلزمات المدرسية، الملبس والطعام، مصاريف العطلة ومصاريف الأنترنت، وأشياء أخرى كثيرة يُحرم منها الأبناء إلا نادراً. ويرافق هذا الجهد اليومي شعور ثقيل بالذنب، وسؤال يلاحقهن باستمرار: هل أنا في المستوى؟
سألتُ أصغرنا: لماذا لا ينتمي إلى حزب، ولا يعبّر عن هذه الأوضاع المتردية من داخله؟ فكان رده مفيداً وذكياً، نترك الحديث عنه ليوم آخر.
ثم جاء سؤال التصويت. فردّ الجميع بسؤال مضاد: «أي تصويت تتكلمين عنه؟ كلهم سياسياً شبعوا فلوساً، وصوّتنا طول حياتنا، وأوضاعنا وأوضاع أبنائنا وبناتنا لم تتغير.»
وكان سؤالي: أليس هذا هو المتاح؟ أن نصوّت، وأن نختار، وأن يصوّت أبناؤنا كما صوّت آباؤهم، كما صوّت أجدادنا، وبناتنا كما صوّتنا. نعم، قد لا نغيّر المعادلة كلها في 23 شتنبر، لكن دعونا نبحث عن الجميل في كل هذا: أن نختار أصواتاً حرة وصادقة.
إن هذا الإحساس المشترك، رغم اختلاف مشاربنا، يطرح سؤالاً أعمق: هل ما زالت الحكومة تفي بالتزاماتها تجاه المواطن في المجالات الأساسية؟ فحين يصبح التعليم عبئاً، والصحة مرهقة، والشغل شحيحاً، لا يعود الأمر مجرد شكوى فردية، بل مؤشراً على ضرورة إعادة النظر في أولويات السياسات العمومية، بما يعيد للخدمات الاجتماعية دورها كحق للجميع لا كامتياز للقادرين.
أيها السياسيون، لا تعدوا الشعب بوعود غير قابلة للتحقيق. لا تعدوهم بأجر مرتفع، وتخفيض للضرائب، وسكن اجتماعي، وغيرها من الوعود التي لا سند لها في الواقع. قولوا لهم الحقيقة كما هي، حتى لا تكبر الآمال والانتظارات بلا أساس، فتكبر معها الخيبات، ويتبعها العزوف.
موعدنا يوم 23 شتنبر 2026.


