بقلم: يوسف المساتي
يعد مفهوم “حق تقرير المصير” أحد أكثر المبادئ إثارة للجدل وتكرارا في السياسة الدولية المعاصرة، إذ يستشهد به في نزاعات متباينة تمتد من كتالونيا إلى شبه جزيرة القرم، وقد شكل ركيزة أساسية في مطالب جبهة البوليساريو، تستند إليه رفقة الجزائر في حملاتها الإعلامية والدبلوماسية، وفي ظل التحولات التي عرفتها قضية الصحراء المغربية وصدور القرار الأممي 2797 الذي ينطلق من الحكم الذاتي، تجب ضرورة التوقف عند تقرير المصير وتطوره التاريخي، فهذا المفهوم يحمل من التناقضات ما يجعل وصف روبرت لانسينغ، وزير خارجية الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون له سنة 1921 بأنه “محمل بالديناميت”، يصدق حتى يومنا هذا.
مفهوم متناقض منذ بداياته
تعود الجذور الفكرية لمفهوم “حق الشعوب في تقرير المصير” إلى سياق تاريخي معقد ومتناقض ضمن الحداثة الأوروبية، إذ لم يولد المفهوم كحق قانوني مجرد، بل كاستجابة سياسية لظهور الرأسمالية الإمبريالية في أواخر القرن التاسع عشر، ونمو الحركات القومية المتصاعدة داخل الإمبراطوريات متعددة الجنسيات، مثل الإمبراطورية العثمانية والنمساوية-المجرية، وضد القمع في الإمبراطورية الروسية.
في هذا السياق، تبنت الأممية الاشتراكية المفهوم، فأثناء مؤتمر الأممية الثانية في لندن عام 1896، أُعلن تأييد “حق جميع الأمم التام في حرية تقرير مصيرها”، لكن هذا الإعلان لم يكن دعوة قومية بسيطة، بل كان مرتبطا ارتباطا وثيقا بمواجهة الرأسمالية العالمية، فالدعوة كانت لتوحيد صفوف “العمال الواعين لمصالح طبقتهم” لتحقيق الاشتراكية الديمقراطية الأممية، أي أن التحرر الوطني، في هذا المنظور، لا يمكن أن يكون منفصلا عن التحرر الطبقي.
كان إدراج المفهوم ضرورة تكتيكية لتحديد موقف البروليتاريا من حروب التحرر القومي، لكن هذا الموقف المزدوج، فجر نقاشات حادة داخل الحركات الاشتراكية نفسها، ويعد الجدل بين روزا لوكسمبورغ وفلاديمير لينين أبرز تجلياته، إذ قدمت روزا لوكسمبورغ سنة 1909 نقداً اقتصادياً وسياسياً عميقا، فعلى المستوى الاقتصادي رأت أن المطالبة بالاستقلال السياسي لدولة مثل بولندا في ظل الإمبريالية الحديثة هو “شعار رجعي”، معتبرة أن التطورات الاقتصادية ربطت بولندا بروسيا بشكل لا رجعة فيه، وأن الانفصال سيضعف البروليتاريا البولندية والروسية معا.
أما على المستوى السياسي، فقد تساءلت لوكسمبورغ عن الشعب الذي يقرر مصيره؟ وأكدت أن “الشعب” في الدول المقسمة ليس كتلة متجانسة، بل يتألف من طبقات متناحرة (برجوازية، بروليتاريا، فلاحون) ورأت أن المطالبة بـ “تقرير المصير” تسمح للبرجوازية القومية ذات المصالح الضيقة، بالتحدث باسم الأغلبية العاملة، مستخدمة القومية كقناع يخفي التناقضات الطبقية الحقيقية.
بينما ركز لينين في نقاشاته سنة 1914، على البعد التكتيكي/السياسي، فلينين لم يكن قوميا، بل رأى في الاعتراف بـ “حق الانفصال” أداة ديمقراطية ضرورية، وكان هدفه هو إزالة عدم الثقة بين البروليتاريا الروسية التابعة للأمة المضطهِدة، وبروليتاريا الأمم المقهورة (مثل البولنديين أو الفنلنديين)، فمن خلال الاعتراف بحقهم في الانفصال، يمكن نزع فتيل “الشوفينية الروسية العظمى” وإقناع عمال الأمم المقهورة بأن الثورة الاشتراكية لن تكرس الهيمنة الروسية، ذلك أن هدف لينين النهائي كان “توحيد العمال طوعا” حول الثورة الأممية، وليس تقسيمهم إلى دويلات قومية.
اللحظة الويلسونية: تقرير المصير لتفتيت الدول
بالتوازي مع النقاش الاشتراكي، اكتسب المفهوم زخما في سياق ليبرالي مختلف تماما بعد الحرب العالمية الأولى، مع دخول “اللحظة الويلسونية” للمشهد الدولي، إذ تبنى الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون مبدأ “حق تقرير المصير” كحجر زاوية لإعادة رسم خريطة أوروبا وتفكيك الإمبراطوريات المهزومة (النمساوية-المجرية والعثمانية) على أساس قومي. لكن التطبيق كان انتقائياً وفوضويا، فخلال مؤتمر باريس للسلام عام 1919، انخرطت القوى العظمى الاستعمارية (مثل بريطانيا وفرنسا) في نقاشات حادة خلصت إلى “استحالة منح حق تقرير المصير لجميع شعوب العالم”، حيث اعتبر ممثلو هذه القوى بأنه يجب استبعاد الشعوب المستعمَرة في آسيا وأفريقيا لأنها “لم تكن ناضجة سياسيا بعد”.
وهكذا، أفرغ المفهوم من مضمونه الطبقي ليصبح أداة جيوسياسية ليبرالية، وأخذ طابعا عرقيا، إذ عرفت “الشعوب” التي يحق لها ممارسة المبدأ بأنها تلك “الجماعات العرقية” في أوروبا التي حشدت وطنيا خلال القرن التاسع عشر.
كانت النتيجة كارثية كما يشير لذلك عدد من الباحثين، إذ اتضح في مؤتمر السلام “استحالة مواءمة الحدود الدقيقة للأمم مع حدود الدول الجديدة”، وللتعامل مع هذا تم وضع معايير لحماية “الأقليات القومية”، لكن هذه الحماية اقتصرت عملياً على الأقليات المعترف بها دوليا، والمثال الأبرز هنا هو “مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين (يوغوسلافيا لاحقا)، إذ أعلن المندوبون الوطنيون أن المملكة تتكون من “شعب واحد بثلاثة أسماء (الصرب والكروات والسلوفينيون) بينما أشار آخر تعداد سكاني نمساوي-مجري سنة 1910 إلى وجود تسع مجموعات عرقية مختلفة على الأقل في تلك المنطقة، وبعد نقاش مطول، اعترفت المعاهدات الدولية بأربع أقليات فقط (البلغار، النمساويون، المجريون، المسلمون)، ونتج عن هذا استبعاد الأقليات غير المعترف بها من المشاركة الكاملة في المجتمع السياسي، وكما أشار لذلك الباحثون فقد قامت هذه الدول بالتمييز في حق الأقليات مبررة إياها ب”حق تقرير المصير”.
هذا الاستخدام المزدوج للمفهوم -الاشتراكي الثوري مقابل الليبرالي القومي العرقي- أسس لتناقضات القرن العشرين، وكما كتب روبرت لانسينغ في 1921، كان المبدأ “مُحمّلاً بالديناميت”.
تقرير المصير وتصفية الاستعمار وإعادة الاستعمار
خرج العالم من الحرب العالمية الثانية وهو يدرك تماماً خطر مبدأ تقرير المصير، فالصياغة الغامضة للمبدأ أدت إلى استغلاله بشكل كارثة، فيما أدى المعيار العرقي المرتبط به إلى دعم الممارسات الإقصائية التي قام بها النازيون والفاشيون، ولذلك عندما أُدرج المبدأ في ميثاق الأمم المتحدة (1945)، تمت صياغته بشكل فضفاض ومتعمد، ما أدى إلى تناقض ظهر جليا بين المادة 1 (2) التي نصت على احترام “مبدأ الحقوق المتساوية وتقرير المصير للشعوب” والمادة 73 من الفصل الحادي عشر، الخاصة بالأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، حيث تم التركيز على “رفاهية” السكان وتجنب ذكر “الاستقلال”. وخلال الخمسينيات، استخدم مندوبو دول العالم الثالث المستقلة حديثا الأمم المتحدة كساحة سياسية للدفاع عن قضية تقرير المصير للشعوب المستعمرة، ونجحوا في “تطعيم” المبدأ بمعايير حقوق الإنسان.
توج هذا المسار عام 1960 بصدور قرارين متناقضين، الأول هو القرار 1514 “إعلان تصفية الاستعمار” والذي يعتبر الإطار الكلاسيكي، حيث أعلن أن جميع الشعوب المستعمَرة تملك حق الاستقلال الكامل دون تأخير. والثاني هو قرار الجمعية العامة 1541 الصادر سنة 1960، والذي جاء ليراعي الخيارات المتعددة لتقرير المصير، حيث حدد ثلاثة أشكال هي: الاستقلال، او الارتباط الحر بدولة مستقلة، أو الاندماج في دولة مستقلة.
ولضمان الاستقرار ومنع تفكك الدول الجديدة، تم إرفاق هذه القرارات بمبدأ الحيازة الجارية، أي وجوب احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، وإذا كان هذا النموذج قد نجح في تصفية الاستعمار التقليدي، لكنه فشل في معالجة التكوينات الداخلية المعقدة، إذ أصبح واضحا أن النموذج الكلاسيكي (القرار 1514) لم يضع قواعد لكيفية تعامل الدولة مع الأقليات الداخلية، مما ترك الباب مفتوحاً للنزاعات.
أزمات تقرير المصير: نحو الجيل الجديد
خلال الحرب الباردة ساد مبدأ “عدم التدخل”، وأُدرج تقرير المصير في “وثيقة هلسنكي” (1975)، لكن التأكيد القوي للوثيقة على “السلامة الإقليمية” خفف من إمكاناته الثورية، موازاة مع ظهور آراء قانونية جديدة أشارت لما يعرف بـ”الحق العلاجي في الانفصال”، الذي يعتبر بأنه إذا انتهكت الدولة “عقدها الاجتماعي” وفشلت في حماية مواطنيها (أو اضطهدتهم بشكل منهجي)، فإنها تفقد شرعيتها، وقد ينشأ لهؤلاء المواطنين حق “علاجي” في الانفصال، إذ أن السيادة مشروطة بمسؤولية الدولة عن حماية سكانها.
خلال تسعينيات القرن المنصرم واجه العالم أزمة تفكك يوغوسلافيا التي أعادت المفهوم العرقي إلى الواجهة، حيث تفاجأ العالم بعودة مطالبات تقرير المصير العرقية لتبرير التطهير العرقي، ما دفع القانون الدولي إلى التحول نحو مفهوم “تقرير المصير الداخلي”، الذي يسمح للسكان المحليين بإدارة شؤونهم الخاصة، والمشاركة السياسية، والحفاظ على هويتهم الثقافية ضمن بنية الدولة القائمة، مع احترام وحدتها الإقليمية، وقد نضج هذا التوجه مع تبلور “إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية” سنة 2007، والذي ركز بشكل مكثف على منح حقوق “حكم ذاتي داخلي” للشعوب الأصلية دون اللجوء للانفصال.
وبالتالي أسس هذا الإعلان لما يمكن تسميته بـ “الجيل الجديد لتقرير المصير”، الذي يوازن بين الوحدة الوطنية وحقوق السكان المحليين، ويخرج المفهوم من كونه مطلبا انفصاليا إلى آلية أكثر تمثيلية وتوازناً.
الحكم الذاتي كحل براغماتي للحالة المغربية
بناء على ما سبق يمكن القول إن الأطروحات الانفصالية المعاصرة، وفي مقدمتها أطروحات جبهة البوليساريو، لازلت تستند إلى التفسير الكلاسيكي لمبدأ تقرير المصير متجاهلة بشكل كامل التطورات القانونية الحديثة التي عرفها هذا المفهوم، وسواء كان الامر انطلاقا من المباديء الاشتراكية أو الشرعية الأممية الحقوقية، أو أطماع سياسية ترجع لعقليات دول القرن19م، يبدو هذا التمسك بالنسخة الكلاسيكية المتجاوزة، نوعا من السلفية السياسية.
وبالنظر إلى تعقيدات الحالة المغربية، والتي ترتبط بجزء من النسيج الجغرافي والقانوني للمغرب عبر العصور، يمكن اعتبار الحكم الذاتي امتداداً منطقيا ل”الجيل الجديد” من تقرير المصير، والذي من شانه أن يمنح للسكان المحليين القدرة على تسيير شؤونهم ضمن إطار الدولة، ويوفر في الآن نفسه توازنا بين الحق التاريخي للدولة المغربية في الإقليم، وحقوق السكان المحليين في الإدارة الذاتية، ومتطلبات التنمية المستدامة.
ومن المفارقات، أن هذا الحل يتقاطع مع النقد الماركسي الأصيل الذي وجهته روزا لوكسمبورغ لتقرير المصير في نسخته الكلاسيكية، بينما يصر بعض المتماركسسين على العض بالنواجد على شعارات تم توظيفها في سياقات تاريخية قديمة

