Close Menu
سفيركمسفيركم
  • الرئيسية
  • مغاربة العالم
  • سياسة
  • رياضة
  • مال وأعمال
  • مجتمع
  • فن وثقافة
  • منوعات
  • تكنولوجيا
  • البرامج
    • #طاجيم
    • حصاد سفيركم
    • #حكامة
    • فطور بلادنا
    • vice versa#
    • حوار خاص
    • with jood#
    • #محتاجينكم
    • #شكرا
    • بدون تحفظ
    • قصص وردية
    • واش عايشين
سفيركمسفيركم
  • الرئيسية
  • مغاربة العالم
  • سياسة
  • رياضة
  • مال وأعمال
  • مجتمع
  • فن وثقافة
  • منوعات
  • تكنولوجيا
  • البرامج
    • #طاجيم
    • حصاد سفيركم
    • #حكامة
    • فطور بلادنا
    • vice versa#
    • حوار خاص
    • with jood#
    • #محتاجينكم
    • #شكرا
    • بدون تحفظ
    • قصص وردية
    • واش عايشين
سفيركم Tv
فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
سفيركمسفيركم
TV
  • الرئيسية
  • مغاربة العالم
  • سياسة
  • رياضة
  • مال وأعمال
  • مجتمع
  • فن وثقافة
  • منوعات
  • تكنولوجيا
  • أعمدة رأي
  • سفيركم Tv
  • البرامج
الرئيسية » الوصية بانتقال إذن التربية بين الإحكام وبين الاشتباه

الوصية بانتقال إذن التربية بين الإحكام وبين الاشتباه

سفيركمسفيركم15 أبريل، 2026 | 19:42
شارك واتساب فيسبوك تويتر Copy Link
واتساب فيسبوك تويتر تيلقرام Copy Link

بقلم: د. سعيد بيهي

توالت محاولات التهوين – المؤسسة على الاِشْتِبَاهِ – مِن شأن “الوصية المباركة” داخل الطريقة البودشيشية، وذلك بتصويرها من المعترضين عليها بأنها مُجَرَّدُ وَرَقَةٍ مُنْشِئَةٍ لاسْتِحْقاقِ إِذْنِ التربية رغم أنه قد لا يكون الإذن مُسْتَحَقًّا!؛ يقولون: « الوصية عند أهل الله شهادةٌ مِن شيخٍ مُربٍّ على أن هذا المريد قد بَلَغ مِن النضج الروحي ما يؤهّله لحمل الأمانة بعده.

فهي إِذَنْ فرعٌ لا أصل – فرعٌ عن استقامةٍ سبقتها، وسيرةٍ مهّدت لها، وحالٍ شَهِد به الخاصّ والعام ».

فهم يرون أن أصل استحقاق إِذْنِ التربية يرجع إلى حال الاستقامة الذي يشهد لها؛ مما يتعين معه ضرورة أن تُجعل الوصيةُ فرعا عن ذلك الأصل، وأن ألا يُسَلَّمَ بها إلا إذا تحقق ذلك الأصل الذي هو استقامة الحال، يقولون مُوَظِّفِين لمقولة أهل الفن!: « قال الإمام القشيري رحمه الله في رسالته، في باب صفة الشيخ الذي يصحّ الاقتداء به: لا تصلح المشيخة لمن لم تشهد أحواله بصدق نسبته – فجعل المعيار في الحال لا في الوثيقة ».

وبناء عليه يتعين على الفقراء أن يستعملوا نظرهم ليتبينوا هل هي مُناسِبَةٌ للمَحَلِّ الذي نَزَّلَها فيه العَارِفَانِ اللذان دَوَّنَاهَا أم لا؟! العارفان المعبر عنهما قَدَّس اللهُ سِرَّهُما في مُرافعاتِ المُتَوَقِّفِين في الوصية بالبِناءِ لِغَيْرِ المَعْلوم أحيانا؛ في مثل قولهم: « وإن كانت التربية الروحية قد علّمتنا شيئًا، فقد علّمتنا ألّا نقبل شيئًا لمجرد أنه كُتِب، بل نقبله حين تشهد له القلوب قبل أن تقرأه العيون »، وأحيانا بإِبْهامِهِمَا كأن لم يكونا حامِلَيْنِ لسر الولاية العظمى التي هي محل الاطلاع والكشف عَمَّا هو أكبر ممن يَخْلُفُهُما؛ في مثل قولهم: « ومن ظنّ أن الوصية تنقل القلوب كما تنقل العقودُ الأملاكَ – فقد جهل أبسط ما في التصوف: أن القلوب بيد الله وحده، لا بيد كاتب الوصية »، وأحيانا بالاستعاضة حتى عن غيبتهما باختزال أثرهما في أنه مجرد “وَرَق“؛ في مثل قولهم: « لكن الإنصاف يقتضي أيضًا أن نقول: إن الضمانة الحقيقية لاستمرار الطريقة لم تكن يومًا في الورق، بل في جودة المحلّ الذي تقع عليه المشيخة ».

وفي محاولةِ إنْصَافٍ تتجاوز ما يَضْطَلِعُ به بَعْضُهم مِن انتهاك الحرماتِ بواسطة جَرائِمَ إلكترونيةٍ مُكْتَمِلَةِ الأَرْكانِ مِن تَشْهيرٍ بأعيانٍ واتِّهامٍ لهم وتَحْريضٍ عليهم…؛ فإنهم يلتمسون للمُتَمَسِّكين بالوصية العُذْرَ بقولهم: « إنصاف الخصم قبل الردّ عليه:

ولا بد – قبل المُضيّ – مِن إنْصافِ مَن يتمسّكون بالوصية المكتوبة. فقد يكون بعضهم صادقًا في اعتقاده أن الوصية المكتوبة ضمانة لاستمرار الطريقة وحفظ وحدتها. وقد يكون بعضهم يخشى – عن حسن نية – أن يؤدّي رفض الوصية إلى فتح باب الاجتهاد لكل من هبّ ودبّ في مسألة المشيخة. وهذا قَلَقٌ مشروع لا ينبغي الاستخفاف به.

لكن الإنصاف يقتضي أيضًا أن نقول: إن الضمانة الحقيقية لاستمرار الطريقة لم تكن يومًا في الورق، بل في جودة المحلّ الذي تقع عليه المشيخة… ». وهي محاولة إنصاف يُحَمِّلُونَ أمثالنا مَعَها مسؤوليةَ تضليلِ الفقراء باتِّبَاعِهم لنا « وإنما يزداد الأمر خطورةً حين يكون مَن يسير في هذا الاتجاه أصحابَ عِلْمٍ ومكانة: (…) فهؤلاء لا يُحاسَبون فقط على ما يفعلون، بل على ما يسكتون عنه – لأن حضورهم في مسارٍ لا يستقيم؛ يُضفي عليه غطاءً يُوهم البسطاء بأنه مقبول.

وحين يرى المريد البسيط أستاذًا أو مهنيًّا ناجحًا يسير في هذا الاتجاه، يقول في نفسه: لو كان الأمر خاطئًا لما مشى فيه فلان. فيتحوّل الموقع الاعتباري مِن دِرْعٍ يحمي صاحبه إلى مُضاعِفٍ للمسؤولية ».

ولما كان إقحام أمثالنا في قضية “الوصية” مشتملا على شيء من الأدب يختلف عن المعهود مِن ردودهم؛ فقد أحببت أن أبين ما عندي في هذا الباب مما أَدين الله به وألقاه عليه من جهة، ومن جهة أخرى استجابة لإذنٍ غَيْبِيٍّ مُبارك مِن خلال رؤيا لشيخي سيدي حمزة – شَهِدَ الله – يعزم علي فيها بإماطة اللثام عن قضية إحكام انتقال السر بواسطة قطعية الوصية المعتضدة بتواتر البشارات وتوارد شهادات الفقراء…، ثم تجلية ما وقع في الخوض فيها – رغم إحكامها – مِن الإجمال المنافي لمقتضيات العلم لإخلاله بما يُشترط من التفصيل؛ مما أدى إلى الاشتباه الذي استمر معه التشويش واضطراب الرؤية، ومِن ثَمَّ غِيَابِ بَصيرَةِ التَّمْيِيز.

وسأبين هذا الأمر مِن خلال مقدماتٍ يُفْضي مَجْمُوعُها إلى اتضاح رؤيتنا العلمية للوصية في سياقاتها الخاصة بالطريقة البودشيشية، وما تقتضيه تلك الرؤية من تَبِعات.

  • المقدمة الأولى: ضرورة تحرير محل النزاع من خلال البحث عن حقيقة الوصية من حيث ما هي عليه في نفس الأمر، فإن تصور حقيقتها يُعَدُّ شرطا في الخوض فيها؛ بناء على قاعدة: “الحكم على الشيء فرع عن تصوره” فهل الوصية من:
  • باب الكشف عن موجود؟ بمعنى أنها في السياق الخاص بالطريقة البودشيشية لا تعدو أن تكون من باب الكَشْفِ عن الموجودِ الواصِفِ لما عليه الوَصِيَّةُ في نَفْسِ الأمر؛ أي أنها كاشِفَةٌ عن الإِذْنِ الموجود بالقوة في كَتْمِ الغَيْبِ بأمرٍ مِن القُدْرَة يُعَبَّرُ عنه عند الصوفية بإذن الحضرتين الأحدية والمحمدية، وعليه فالإذنُ لا يَنْتَظِرُ سوى التَّحَقُّقِ بالفعل مِن خلال الظهور في الواقع. فالوصية لم تكن في يومٍ مِن الأيام مُنْشِئَةً لشيء مَفْقودٍ لا وُجودَ له حتى تكون فرعا، وإنما هي مُجَرَّدُ تَوْثيقٍ لانتقالِ إِذْنِ التربيةِ مِن شيوخها المأْذونِين إلى شيخها سيدي منير المُسَلَّمِ بتسميته عبر تاريخ الطريقة بـ”بشارة العارفين“؛
  • باب إنشاء مفقود؟ أي إنشاء مشيخة غير موجودة، وإنما يُراد إيجادُها مِن خلالِ رُكوبِ مَشايِخِ الطريقة البودشيشيةِ الصَّعْبَ والذَّلُولَ لِتَقْريرها رَغْمَ وُجودِ ما يشهد لخلافها مِن عَدَمِ أَهْلِيَّةِ المُوصَى له عند المخالف.

هذا وإن اعتقادَ شيوخ الطريقة المُوصِين يُعَدُّ الفَيْصَلَ في هذا الباب لأجل أنهم هُم الأَعْرَفُ بِعِلَّة كَشْفِهِم عَمَّن سَيَحْمِلُ سِرَّ الإذْنِ بَعْدَهُم؛ فقد تواتر عن سيدي حمزة قُدِّسَ سِرُّه أنه أخبر عن نفسه كَوْنَهُ مِن قسم الأولياء الذين كُشِف لهم عمن سيخلفهم، وبناء عليه أوصى وصيته التي هي تبع لذلك الانكشاف، وهو أمر متواتر عنه سمعه منه العشرات، ومنهم هذا الفقير إلى الله في أول لقاء لي معه سنة 2014، بل توجد تسجيلات متداولة بذلك يعلل فيها مشروعية ما أقدم عليه في وصيته التي قال فيها بعد بيان انتقال إذن التربية إليه من ابن عمه أبي مدين وأبيه سيدي الحاج العباس قدس الله سرهم، وما يقتضيه ذلك الإذن من الإعظام لشأنه: « ومن هذا الإعظام لقدره ومن الوفاء بحقه وواجبه أن نشهد أمام الحق سبحانه أن الإذن الذي لدينا في تلقين الذكر والدعوة إلى الله عن طريق الافتقار إليه؛ هذا الإذن ينتقل بعد مماتنا إلى ولدنا الأرضى مولاي جمال الدين، ثم من بعده إلى ابنه البار مولاي منير ».

ومثله في ذلك العارف بالله سيدي جمال قُدِّسَ سِرُّه؛ فقد نص في غير مناسبة على أن تعيين بشارة العارفين هو ثمرة رؤيةٍ مِن العارفين قبله أُطْلِعوا عليها من خلال خطاب رباني كُشِف لهم بواسطته عَمَّن سيخلفهم.

وعليه فالوصية كما تقدم لا تعدو أن تكون مجرد تَوْثيقٍ للموجود في كَتْمِ الغيب الذي أطلعهم الله تعالى عليه؛ ليس لهم فيها سوى الكَشْفِ عنه استجابَةً للأمر الرباني لهم بذلك.

ومن شواهد ذلك ما قرره قدس الله سره في وصيته التي تُلِيَت في ذكرى سيدي حمزة في شهر يناير مِن سنة 2025؛ حيث قال مخاطبا قرابته وجميع مريدي طريقته: « أبنائي وأحفادي الشرفاء والشريفات، ومريدي ومريدات طريقتنا المباركة: تأملوا رضي الله عنكم معاني هذه الوصية بعين البصيرة؛ فإنها ليست مجرد ألفاظٍ تُتْلَى، بل هي نَسَمَاتٌ من الحضرة القدسية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد »، ومثلها قوله قُدِّسَ سِرُّه: « هذه الوصية منا إلى مريدينا الكرام شهادة نكتبها ونحن نحمل أمانة عظيمة من حضرة الحق؛ راجين من الله تعالى أن نكون أوفياء لعهدِ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والمحبةِ الصادقة التي طَوِّقْتُمُونا بها، ومُؤَدِّينَ لما علينا من مسؤولية أمام الله.

وإنه ما صَدَرَ مِنَّا هذا الكتاب إلا عن إِذْنٍ إِلَهِيٍّ مِن الحضرة النوارنية؛ إذ أكرمنا الله بسر الاسم المفرد، وهو سِرٌّ مِن أسرار الفناء في الله والوجود في حضرته، وجعلنا نصدع بهذا الأمر هادين إياكم إلى طريق الحق واليقين… ».

ومما يزيد الأمر تأكيدا ما حكاه سيدي أنس التازي بعد حضوره عند سيدي جمال مباشرة بعد قراءة الوصية: « وبينما نحن بين يديه، جرى على لساني كلام يسير لكنه عظيم في معناه، فقلت له: “سيدي جمال؛ سبحان الله! الوصية التي قام بها سيدي حمزة قَدَّسَ الله سره، والتي قُرئت يوم دفنه عند الضريح؛ جاءت اليوم على لسانكم تجديدًا وتثبيتًا؛ كأنها نَفَسٌ آخر للوصية في وقتها ومحلها المناسب؛ إذ جاء الفقراء والفقيـرات لسماعها بمحبة عظيمة، ورأوا فيها بشارةً وطمأنينةً لقلوبهم”.

فما إن سمع مني هذا الكلام – وكان متكئًا حتى جلس مستقيمًا – وقال بصوت كله يقين وثبات:

“يا سيدي أناس… والله، والله، والله” (ثلاثًا)، وأضاف: “إنما كان لي إِذْنٌ مِن الحَضْرَتَيْنِ: مِن الله ورسوله؛ أن أكتب هذه الوصية وأُصَرِّح بها. ولولا هذا الإذن؛ لما استطعت في حالتي الصحية أن أصبر على طولها ولا أن أَنْطِق بها” »، وهو ما يكشف سِرََّ تحامُلِ سيدي جمال قُدِّسَ سِرُّهُ على نَفْسِهِ رغم مرضه تَعْظيمًا لِشَأْن الإِذن، بخلاف ما يَحْملُه عليه أصحاب سوء النية – تَعَلُّقًا بالمشتبه –  مِن تَعَرُّضِه للإكراه، رغم معرفتهم بتواتر تصريحه بمضمون الوصية مرارا وتكرارا حتى في حال صحته مما يعرفه الخاص والعام.

إن هذا الأمر تقتضيه طبيعة العلم التي هي في نفسها صِفَةُ انْكِشافٍ تَكْشِفُ الأَشْيَاءَ على ما عليه في الواقِعِ ونَفْسِ الأَمْر، وليس صِفَةَ تَأْثيرٍ تُؤَثِّرُ في حَقائِق الأشياء بِتَغْييرِها عن طبيعتها، ولذلك فإن الاعتراض على كتابة الوصية التي يُراد منها توثيق ذلك العلم – بما هو انكشافٌ تقضيه طبيعة مقام الولاية العظمى – يشبه اعتراض مستحقي العقوبة الأخروية على كتابة الله للمقادير السابقة بقولهم كيف يُؤاخِذُنا وهو الذي كَتَبَ علينا المعاصي والمخالفات؟! مُتناسين أنه لا حجة لهم على الله تعالى في ذلك؛ لأن كتابته سبحانه للأقدار السابقة إنما هي تَدْوِينٌ لما عَلِمَهُ سبحانه بِعِلْمِهِ الحُضُورِيِّ الذي هو صِفَةُ انكشافٍ ذَاتِيَّةٍ مُحيطَةٍ بكل شيءٍ لا صفة تأثير في سلوك المكلفين؛ قال تعالى: ﴿رُسُلا مُبَشِّرين ومُنْذِرينَ لِيَلَّا يَكونَ للناس على الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل﴾ [النساء: 164]…

  • المقدمة الثانية: حديثنا عن الوصية إنما هو في سياق مخصوص، ألا وهو انتقال إذن التربية في الطريقة البودشيشية خاصة. وهي طريقة قائمة على يَقينِ فُقَرائِهَا في كمال ولاية شيوخها التي يُؤْتَمَنُون معها على التربية وما يقتضيه واجِبُها وواجِبُ اسْتِمْرارِيَّتِها؛ مِن سلامة الكَشْفِ مِن جهةٍ عما تَحْصُلُ به التربيةُ مِن آلياتٍ مناسبةٍ لكونها مُسْتَمَدَّةً مِن حَضْرَةِ الغيب، وعما يَحْصُلُ به دَوامُ اسْتِمْرارِيَّتِها مِن جهة أخرى بواسطة الكَشْفِ عن الجهة الضامنة لاستمرارية أسانيدها، فهم إنما يتصرفون بالله لا بأنفسهم في التربية وفي الكشف مَعًا كما هو مقام الولاية العُظمى عند أهل التصوف عامة، وعند فقراء الطريقة خاصة أسوة بغيرهم.

إن السياقَ المخصوصَ هذا يُقَيَّدُ به حديثنا عن المُوصَى له، وكيف أنه يمنع غيره من التطلع لاستحقاق مقام الولاية المطلقة التي لم يُجعل إلا لواحد منصوص عليه في الطريقة البودشيشية، وأنه لا يمنع غيره من المستحقين مِن مَقاماتِ مُطْلَقِ الولاية التي هي دون الولاية الكبرى بشرط عدم مزاحمته لاستحقاق غيره، وعليه فلا يَرِدُ علينا اعتراضُهم بقولهم كيف تُحَجِّرونَ واسِعًا بِمَنْعِ حصول الولاية في غير شيخكم؟…

  • المقدمة الثالثة: أن الوصية من التصرفات الشرعية التي لا تُفهم إلا باستحضار سائر أركانها باعتباره خطوة منهجية أساسية في تصورها تصورًا صحيحًا يُعين على ضَبْطِ المفهوم، وتوجيه الأحكام إلى محلها، وإلا فإن إهمالها سيؤدي إلى اضْطِرابٍ في فَهْمِ حَقيقَتِها في هذا السياق المخصوص، ومِن ثَمَّ اختلالٍ في تنزيلها.

وأَقْصِدُ بها أَرْكانَها الأربَعَةَ المتمثلةَ في:

  • المُوصِي؛ أي مَن صَدَر عنه الإِيصَاءُ بِشَرْطِهِ المعتبر مِن أهليةٍ تَتَعَلَّقُ بمجال الوصية، وما أدراك مَن هُم المُوصُون في كمالِ وِلايَتِهِم وتمامِ حِرْصِهِم باتِّفاقِ مَن يُعْتَدُّ باتفاقهم، بل مُوافَقَةِ حتى المخالف لما تقتضيه لوازم التسليم لمشيختهم جميعا أو مشيخة بعضهم من ضرورة اعتبار قولهم الذي لا دَخْلَ لأنفسهم فيه.

ولنا أَنْ نَتَصَوَّرَ لَوازِمَ التَّلَبُّسِ بالشك في وصيتهم التي أخبروا أنهم يُوَثِّقُون بها ما انكشف لهم من الغيب ليس إلا، هذه اللوازِمُ العَائِدَةُ على فعلِ مَن تَلَبَّسَ به رَغْمَ كَوْنِهِ يعتقد ولايتهم، والمتمثلةُ فيما يمكن أن يتَسَرَّبَ لِأَنْفُسِهم مِن تَجْوِيزِ كَذِبِ شيوخهم، وما ينشأ عنه من الاستهانة المؤدية لنصب الميزان على الشيخ، وشاهِدُهُ تَحَوُّلُ اعتقادهم في سيدي جمال أنه مُجَرَّدُ نَفْحَةٍ لسيدي الحاج العباس، وتَمَنِّيهِم طَيَّ صَفْحَتِه لِيَرْبِطُوا امْتَدادَهُم بسيدي حمزة فقط.

وهو لازِمٌ يُقْصَدُ به بيان شناعة ذلك الشك وأن لازمه عدم الاعتقاد في ولايتهم، رغم أنني لا أقول بأن لازم المذهب مَذْهَبٌ لصاحبه مِن جهة اعتقاده والتزامه، وإن كان مسلكا علميا يُبَيَّنُ به فَسادُ القَول من خلال بيان لوازمه الشنيعة؛ خاصة عند الاسترسال في قبولها.

ولا يَرِدُ على صحة هذا التقرير الحجج الخَطَابِيَّةُ مِن مثل قولهم: « حين أرادوا أن نُغمض أعيننا… نسوا أن التصوف هو الذي فتحها.

عجيبٌ أمر من يُطالبك باتّباع وصيةٍ بلا نظر، ثم يدّعي أنه يسير على طريق القوم »، ومثله قولهم: « وهذا مِن أشنع ما يُمكن أن يُفعل بالعلاقة بين الشيخ والمريد – لأن هذه العلاقة في أصلها علاقة قلب بقلب، ونور بنور، لا علاقة مالك بمملوك.

المريد ليس رقمًا في سجلّ ولا رأسًا في قطيع – المريد روحٌ حرّة أقبلت على شيخها لأنها وجدت فيه ما يُقرّبها من الله، فإن وجدت ذلك اتّبعت، وإن لم تجده فلا قوة في الأرض تُلزمها ».

إنها خَطابِيَّاتٌ لا صِلَةَ لها بالموضوعِ مَحَلِّ النِّزاع؛ ذلك أنها تَتَوَسَّلُ إلى الإقناع بدغدغة عواطف القراء الذين سَيَصْطَفُّون في صَفِّ من يُعْلِي من شأن الحِفاظ على الحرية وبقاء العين مفتوحة… وذلك في تغييب تام لتحرير محل النزاع كما تقدم، وإلا فإن الحرية إنما تَكْمُنُ عند أهل الإحسان في تحرير القلب من الرعونات والأنانيات والتي منها جحود الحق لأجل الخصومة؛ مثل ما حصل مع سيدنا رسول الله ﷺ الكامل في نبوته وأهليته ورغم ذلك اعترض بعضهم عليه ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ [النمل: 14]، وهو أمر معروف عند أصحاب الخصومات الذين يَحْكُمُهم الهَوَى؛ وصدق الشاعر حينما قال:

وعَيْنُ الرِّضَا عن كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ       ❁        ولكنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا

ومثله يُقال في الحرص على فَتْحِ العين؛ ما الذي يُراد به خاصة في سياق التربية الخاص؟ هل هو نَصْبُ الميزان على الشيوخ العارفين؟! وعَن أَيِّ عَيْنٍ يَتَحَدَّثُون؟ هل هي عَيْنُ البَصِيرَةِ التي يبلغها الشيخ العارف بحيث يُساوونه في مقامه فيتأهلون لِنَصْبِ ميزانِ انْتِقادِ تصرفاته من مثل كتابته للوصية وغيرها؟!

إننا أمام كلام مُجْمَلٍ لا يُفَرِّقُ بين مُطْلَقِ الحرية في النقد وكذا مُطْلَقِ القدرة على الإبْصَارِ، وبين سِيَاقِ المعرفة الخاصة التي طَواهَا الله عن كثير من الأولياء أنفسهم، فكيف بِمَن هم دونهم؟ وإنما كَشَفَها لِقِلَّةٍ قَليلَةٍ مِن الأولياء في سياق امتلاكهم سِرَّ كَمَالِ التربية المؤسسة على كمال المعرفة حتى يُرَتِّبُوا عليها – في تَمَامِ تَسْليمٍ لهم – ما تَسْتَحِقُّه.

إنَّ مِن مُقتضيات النظر العلمي عَدَمَ الاشتغال بما لم يجعل الله تعالى طريقا لمعرفته، وشاهِدُهُ سُؤالُ سيدنا جبريل عليه السلام لسيدنا رسول الله ﷺ عن الساعة؛ فإنه لَـمَّا لم يجعل الله تعالى طريقا لمعرفتهم إياها صَرَفَهُم النبي ﷺ عنها بقوله: « ما المسؤولُ عنها بِأَعْلَمَ مِن السَّائِل » (حديث جبريل المشهور)، ومثله تَصَوُّرُ الفَقيرِ أن يُدْرِكَ بِعَيْنِ البَصيرَةِ الخاصَّةِ خَطَأَ ما انكشف لشيخه العارف، فَيُحَكِّمَ آلَةَ النَّقْدِ ثُمَّ الاختيار في توجيهاته ناقضا لقول الصوفية الذي ليس يُقصد به إغماض العين مُطلقا « من قال لشيخه لِمَ لَمْ يُفْلِح »، وإنما يُقْصَدُ به كَفُّهَا عما لا سبيل إلى الاستقلال بإدراكه، وإلا فما الحاجة إلى شيخ واصل موصل، ورحم الله سيدي ابن عاشر القائل:

يصحب شيخا عارف المسالك           ❁           يقيه في طريقه المهالك

وفي مثل ذلك الإجمال يقول أهل العلم في قاعدتهم المشهورة: “لا يُسْتَدَلُّ بِأَعَمَّ على أَخَصَّ مُعَيَّن“، وبيان القاعدة أن إغماضَ العَيْنِ أَعَمُّ مِن جهة اشتماله على حالتين:

  • حالة إغماض للعين عن الشيء مع امتلاك أسباب المعرفةِ الممكنة مِن سلامَةِ تصورها ثم الحُكْمِ عليها قبولا أو رفضا؛
  • حالة إغماض للعين عن الشيء مع عدم امتلاك أسباب معرفته وعدم القدرة على الحكم عليها؛ بحيث يصير الخَوْضُ فيه خَوْضًا في عَمَايَةٍ.

وعليه فإن استدلالَهم بكلام سائر العقلاء في ضرورة فتح العين المشتمل على الحالتين، وقَصْدَهم للحالة التي هي غامضة في نفسها لا يملك الإنسان أمامها أن يفتح عينه أو أن يغمضها؛ استدلالٌ بِأَعَمَّ وهو قُبْحُ إغْماضِ العين على أَخَصَّ وهو المحجوب من أمور الغيب التي لا يُساوَى في الاطَِلاعِ عليها العارِفُ الذي انكشفت له مع عُمُومِ مُريدِيهِ، وهو استدلال فاسد، وله نظائر كثيرة في مقالاتهم رغم قِصَرِها.

  • المُوصَى له؛ أي الجهة التي صَدَرَ في حقها الإيصاءُ بِشَرْطِهِ المعتبر الذي يحتكم إلى إذن الله الذي ليس للوصية فيه إلا مجرد الكشف عنه، ويشهد لتوفر الشرط المعتبر في المُوصَى له قول العارف بالله سيدي جمال قُدِّسَ سِرُّه فيه: « اللهم إني أُشْهِدُكَ وأُشْهِدُ ملائِكَتَك وأنبياءَك وأولياءَك أني قد أوصيت بهذا السر لابني البار مولاي منير مِن بعدي؛ فهو قَمَرٌ مُشْرِقٌ في سماء الطريقة، وبِشارَةُ أجدادي أولياءِ الله الصالحين، وسِراجٌ يَهْتَدي به السالكون في دروب النور، وهو نور من نور الحق المتصف بالصفاء الكامل والصدق التام ».

وهو قَوْلٌ فَصْلٌ في كمال أهلية سيدي منير يُقَدَّمُ على أقوالِ غَيْرِهِ ممن لم يبلغ مبلغ العارف في معرفته المسددة بتأييدِ حِفْظِ الحضرة؛ فإنه لا يكاد يَعْرِفُ العارفَ إلا عارفٌ مثله، وفي معناه تَواتَر عن سيدي حمزة قوله: « لا يعرف ما في هذا الرأس إلا ولدي سيدي جمال ».

إنها شهادة ثقيلة من العارف بالله سيدي جمال قُدِّسَ سِرُّه تُخْبِرُ ببلوغِ سيدي منير الغايَةَ التي أهلته لوارثة سِرِّ الولاية في هذه الطريقة المباركة؛ من خلال كَوْنِهِ قَمَرًا مُشْرِقًا في سماء الطريقة، وسِراجًا مُنيرًا تحصل به الهداية للسالكين بِصِدْقٍ في دُروبِ النُّور، وكيف لا وخَبَرُ العَارِفُ يُؤَكِّدُ كَوْنَهُ بِشارَةَ أجدادهِ مِن العارفين؟، وهو من المعاني المتواترة في الطريق لم يَخْطُرْ ببال أحدٍ مِن الفقراءِ – طيلة عقودٍ مِن الزمَنِ – نَفْيُها، أو الاسْتِرابَةُ في صِدْقِيَّتِها، حتى إنها كانت تجري على ألسنة كثيرٍ مِمَّن صار يُنْكِرُها اليوم.

إنها أهلية ناشئة عما شَهِدَ به العارف بالله سيدي جمال قدس سره من اشتمال سيدي منير على نفس السر الذي انتقل لأبيه من جده سيدي حمزة قدس سره في قوله مخاطبا قرابته ومريديه: « وأنا بدوري أبشركم اليوم بأن هذا السر الذي وَقَرَ في صدري هو نَفْسُ السِّرِّ الذي أُذِنَ بِهِ ويَقَرُّ في صَدْرِ ابْنِي بِشارَةِ العارفين سيدي منير، سِرٍّ مُتَّصِلٍ كما أخبرني والدي قُبَيْلَ وفاةِ جَدِّي سيدي الحاج العباس قَدَّسَ اللهُ سِرَّهُما وهو يُسَلِّمُنِي وصيته قائلا لي بالعامية المغربية: “اللي عندي عندك”، وأنا اليوم أقولها أمام الملأ وأشهدكم وأوصيكم وأكرر العبارة نفسها: “اللي عندي عند ولدي منير” ».

ثم أَخْبَرَ – قدس الله سره – إخْبَارَ العارِفِ الذي يشهد هذا الأمر الغيبي ومآله مِن وراء ستار رقيق باضْطِلاع سيدي منير بِحَمْلِ الأمانة بِصِدْقٍ؛ جَعَله على لسان أبيه العارف مَحَلَّ استحقاقِ تَحْميلِ اللهِ إِيَّاهُ أمانَةَ وِراثَةِ النبوة؛ حيث قال قُدِّسَ سِرُّه: « إنها أمانة يتحملها مِن بعدي بِصِدْقٍ وإخلاصٍ؛ قال تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالاته﴾ [الأنعام: 125] ».

  • المُوصَى به؛ أي موضوع الوصية ومضمونها بشرطه مِن كونه مشروعا وممكن التنفيذ، ولا شك أن موضوع الوصية الذي هو تَوْثِيقُ انْكِشافِ جِهَةِ اسْتِحْقاقِ انْتِقالِ السِّرِّ مَشْروعٌ، وذلك لما فيه مِن ضَمانِ يقين الفقراء لطمأنينتهم باستمرارية الطريقة محفوظة من خلال استمرارية شيوخها الوارثين؛ فإن التصوف هو الشيخ كما عَرَّفَهُ به سيدي حمزة قدس الله سره، ومن جهة أخرى دَفْعِ فتنة الدجاجلة التي ما فَتِئَ سيدي حمزة وسيدي جمال قَدَّسَ اللهُ سِرَّهُما يُحَذِّران منها في مجالسهم وكلامهم، وهو أمر متواتر في الطريقة تشهد له تسجيلات كثيرة يعرفها العام قبل الخاص.

ولأجل كمال يقيننا في غايَةِ نُصْحِ العارفين بالله سيدي حمزة وسيدي جمال – قُدِّسَ سرهما – لجميع الفقراء من القرابة وغيرهم؛ فإنه يتعين الاعتقاد أنه لا سلوك في الطريقة البودشيشية إلا من خلال الوصية؛ يقول شيخنا  سيدي حمزة قدس سره في بيان حكم مَن خالفها « وكل من خالف العمل بمقتضى هذه الوصية فإننا والطريقةَ منه براء، ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَن اَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ فَسَنُوتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10] »، ومثله قول سيدي جمال قُدِّسَ سِرُّه – لخروجهما من مشكاة واحدة – في حكم مَن عَمِل بها وحكم مَن أَخَلَّ بها: « مَن عَمِلَ بهذه الوصية وأوفى بالعهد والتزم بها فقد ائْتَمَنَ نفسه وهو على العهد، وعهد المحبين لا ينقضي ولا ينقطع، ومن أخل بها وخالفها فالله حسيبه والطريقة منه براء، وهو نعم المولى ونعم النصير؛ يقول تعالى: ﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن اَوفى بما عاهد عليه اللهَ فسنوتيه أجرا عظيما﴾ [الفتح: 10] ».

  • الصيغة؛ أي الألفاظ والجمل الدالة على الإيصاء، وما تحمله مِن دلالاتٍ مُحْكَمَةٍ تؤكد موضوع الوصية وتقطع بمقتضياتها بما لا يدع مجالا للتردد؛ فإن الوصيتين لسيدي حمزة وسيدي جمال قدس الله سرهما صِيغَتَا بغاية الإحكام الذي لم يترك مقالا لقائل، وذلك لتعلقهما بقضية في غاية الخطورة؛ مثل قضية استمرار السر في الطريقة بما ينفي الاشتباه.

ولتقرير هذه القضية لابد من بيان أن الإِحْكامَ والتَّشابُهَ مِن عَوارِضِ الكلامِ بِمَا في ذلك كلام الله الذي قال فيه سبحانه: ﴿هو الذي أَنزَلَ عليكَ الكتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فأما الذين في قُلوبهم زَيْغٌ فَيَتَّبِعون ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَاويلِهِ وما يَعْلَمُ تَاويلَهُ إلا اللهُ والرَّاسِخون في العلم يقولون آمَنَّا به كُلٌّ مِن عِندِ رَبِّنَا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولوا الالْباب﴾ [آل عمران: 7]، وهو مُؤَسِّسٌ لجواز وقوعه في كلام غيره سبحانه مِن الأنبياء والأولياء، ومقصودُ حُصولِه وُقوعُ الابتلاء به مِن جهة، ثم بيانُ منهج التعامل معه مِن جهة أخرى، وذلك من خلال ما يأتي:

  • ضرورةُ تَبَيُّنِ حَقِيقَتَيِ الإحكامِ والتَّشَابُهِ، فالمحكم هو القطعي في دلالته بحيث لا يحتمل إلا معنى واحدا، بخلاف المتشابه فهو الظني في دلالته لاحتمالِه مُوافقةَ المحكم واحتمالِه مُخالفَتَه؛
  • ضرورةُ معرفةِ موقع كل منهما مِن حَيْثُ الأَصْلِيَّةُ والفَرْعِيَّةُ، فالمحكم هو الأصل والأساس في بناء المعرفة لأنه يُبنى عليه غيره، والمتشابه هو الفرع الذي لا يستقل بنفسه بل بالبناء على المحكم؛
  • ضرورةُ تَعَرُّفِ مسالك النظر إلى المحكم والمتشابه رُسُوخًا وإيمانًا أو زَيْغًا وتَحْريفًا، ذلك أن الله جل وعلا كَشَفَ عن مسلكين في التعامل معهما:

أولهما: مسلك أهل الزيغ؛ وإنما قدمه للمبالغة في التحذير منه، وهو مسلك يجعل المتشابهَ هو الأصلَ في البناء، والمحكمَ هو الفَرْعَ قَلْبًا لنظام المعرفة الشرعية، ثم بَيَّنَ القرآنُ أنه إنما يحصل هذا المسلك بسبب زيغٍ في قُلُوبِ أصحابه يدفعهم إلى الاشتمال على التَّلَبُّس بإرادات فاسدة متمثلة في: إرادة الفتنة، وإرادة التأويل الذي يُقصد به في هذا المقام التحريف؛

ثانيهما: مسلك أهل الرسوخ في العلم؛ والذين يؤمنون بأن الكُلَّ مِن عند الله، إيمانا يراعون فيه وَضْعَ نِظَامِ الشريعة في القبول عنها بِجَعْلِ الأَصْلِ ما جَعَلَتْهُ أَصْلًا، وبِجَعْلِ الفرع ما جَعَلَتْه فَرْعًا.

إن الوصية في صياغتها المحكمة إنما هي إحدى الطرق المتنوعة لإثبات انتقال السر في الطريقة البودشيشية لسيدي منير قدس الله سره؛ فهي بالإضافة إلى البشارات المتواترة تَواتُرًا يُفيد القَطْعَ والإحكام، وكذا الإخبارات المتواترة عند الفقراء بكون العارِفَيْنِ سيدي حمزة وسيدي جمال إنما يُهَيِّئَان لمجيئه، ومثلها الإخبارات بأن زمن ولايته سَيَمْتَدُّ ويَطول، وقد نَقَلَ الشهادةَ بها الدكتور الفاضل سيدي حمزة الكتاني في صفحته؛ حيث قال: « هذه شهادة أفادني بها في الموضوع أخي العلامة المسند الراوية الشريف عبد العزيز بن علال – حفظه الله – وهو كان مِن الملازمين للشيخ سيدي حمزة البودشيشي قُدِّسَ سره، فأحببت مشاركة محبي الطريقة بها، والله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 282].

قال الشريف سيدي عبد العزيز بن محمد بن علال العلمي الإدريسي الحسني، حفظه الله: « أُشْهِدُ اللهَ وملائكته ورسوله أنني مرة كنت جالسا مع شيخنا القطب الرباني الشريف سيدي حمزة القادري بودشيش، قدس الله سره الشريف، في زاويته بالنعيمة، أثناء اعتكافي عنده فيها لمدة ثلاثة شهور. فجلست معه تلك الليلة لوحدنا، وكان يحبني كثيرا ويُسِرُّنِي ببعض الأسرار، وذلك قبل وفاته بشهرين فقط؛ أي: أواخر عام 2016م”.

“فقالي لي: يا ابني؛ في هذا العام لن أحضر معكم المولد النبوي الشريف، وسأرحل عن الدنيا بعد المولد النبوي الشريف؛ فقد دنا أجلي بعد أن بشرني أهل الله بطول العمر، وها أنا قد عشت عمرا طويلا، وبارك الله في عمري، وسيخلفني من بعدي ابني سيدي جمال، ولكنه لن تطول خلافته، ولن يطول عمره، ويلحقني إلى دار الآخرة، ثم يخلفه من بعده حفيدي سيدي منير وتطول خلافته على مشيخة الطريقة، ويطول عمره »، إلى آخر ما ذكره في شهادته المدونة.

وكلها من المحكم الذي لا يعارضه مُتَشابِهُ انْفرادِ البعْضِ بحكايِةِ انتقالِ السِّرِّ إلى غير سيدي منير انتقالًا لَوْ صَحَّ لَتَوَفَّرَت دَواعِي نَقْلِهِ كما هو المقرر في قواعد نقل الرواية، ومثله لَم تُعْرَفْ له رائِحَةُ وُجودٍ، ولم يُنْقَل قبل انتقال سيدي جمال قدس الله سره.

ويشبهه في تحقق حصول الوراثة ما أُخْبِرَ به عن سيدي جمال من أن سيدي منير على الكرسي؛ أي كرسي الولاية، وهما من المحكمات في الدلالة على حصول انتقال السر وطول مدة البقاء فيه بلا منازعة، وهو يدفع ما يُقابِلُهُ مِن متشابه الرغبة في تَحَوُّلِ السر والحكم بحصول محو تقديره، وهو من الاستدلال بالأعم على الأخص المعين الذي تقدم لنا بيانه، فإن إخبار العارفين على تحقق وراثة سيدي منير للسر قاطعة في أن البشارة ليست مِن القَدَرِ الذي يدخل في دائرة المحو، وإنما هي مِن القدر المُبْرَم، وإلا فلا وجه لإخبارهما بحصول قعوده على كرسي الولاية، ولا لِمُكْثِهِ فيها زمنا طويلا، لأنه لو مُحِيَت ولايَتُه لوقع الخُلْفُ في خبرهما، ولما استحقا أن يكونا مُحَدِّثَيْنِ بالله عن الله تعالى، وحاشاهما.

وأما التشغيب بما يُفترى من عدم أهليته لظن عدم استقامته؛ فلو صح تَنَزُّلًا – مع كمال يقيني في طهارة سيدي منير، وفي صدق خبر سيدي جمال عنه أنه لا يخرج مِن حَضْرَةِ اللهِ طرفة عين – أقول تَنَزُّلًا على طريقة منهج القرآن ﴿وإنا أو اِياكم لعلى هدى اَو في ضلال مبين﴾ [سبأ: 24]، فإن من سبقت له العناية لم تَضُرَّهُ الجناية، أما تَرَوْنَ إلى قول النبي ﷺ في الإمام المهدي: « يُصْلِحُهُ اللهُ في ليلة »، فإن أمر استحقاق الولاية في غاية الغموض، ولذا ينبغي أن يجعلَ الفقراءُ بشاراتِ العارفين به، ووَصِيَّتَهم بانتقاله أصلا باعتباره مُحْكَمًا لِثِقَتِهِم بشيوخهم الذين كشفوا لهم عنه، ثم يجعلوا ما يتصورونه مُعارِضًا مِن باب المتشابه الذي يُفْهَمُ على وَجْهٍ يُوافِقُ المُحْكَمَ؛ مِن مِثْلِ مُلاحظة المُوافَاةِ لوقت الاستحقاق التي يُؤَهَّلُ عندها، وهي قضية في غاية الأهمية تحتاج إلى بسط مستقل.

ومن مثل الاشتباه بما يقع من صور الجلال كَغَضْبَةٍ وغيرها؛ فإنها إنما تَشْتَبِهُ على مَن قَلَبَ نظام الشريعة فلم يحتكم إلى المحكمات التي قررنا كونها أصلا؛ من مثل استحقاق الوراثة؛ بحيث يُحْمَلُ عليها الغضب باعتباره متشابها تقتضيه من جهة طبيعة الكَيْفِيَّاتُ النَّفْسانِيَّةُ التي لا يَتَعَلَّقُ بها تكليف لأجل القاعدة المقررة عند الأصوليين من أنه “لا تكليف إلا بفعل“، ومن جهة أخرى لعدم منافاتها للخصوصية، بل ينبغي أن تُفهم في سياقها الدال على دَلالٍ مقبولٍ مِن العارف يُشْبِهُ دلال سيدنا موسى لما ألقى الألواح وفيها كلام الله تعالى، وكذا لما أخذ بلحية أخيه يجره إليه…؛ فإنها إنما تفهم في ضوء خصوصية النبوة التي يُقْبَلُ معها دلال صاحبها على الله.

وفعلهم هذا في التعلق بالمتشابه مِن صُور الجلال العارضة يُشْبِهُ فِعْلَ سيد قطب في كلام له لَـمَّا حَمَلَ تَصَرُّفاتِ سيدنا موسى عليه السلام على أنها تُصَوِّرُ لنا شَخْصِيَّةً عَصَبِيَّةَ المِزاجِ؛ في سوء أَدَبٍ مع النبوة ناشِئٍ عن جهل بما تقتضيه الخصوصية.

وإنما يقع الاشتباه نتيجة احتجاب العارف لأجل غيرة الله تعالى عليه بسبب ما وقع مِن سوء الأدب معه من خلال نصب الميزان عليه تَعَلُّقًا بِذَريعَةِ عُمومياتِ ضرورة فتح العين وتحكيم العقل…! يقول العارف بالله سيدي أبو الحسن الشاذلي قدس سره: « ولقد ابْتَلَى اللهُ تعالى هذه الطائفة الشريفة بالخلق، خصوصا بأهل الجَدَلِ؛ فَقَلَّ أن تجد منهم أحدًا شرح الله صدره للتصديق بولي معين، بل يقول لك نعم إن لله تعالى أولياءَ وأصفياءَ مَوْجُودين، ولكن أين هم؟ فلا تذكر أحدا إلا ويأخذ بدفعه، ويَرُدُّ خُصوصِيَّةَ الله تعالى له، ويُطْلِقُ اللسانَ على كونه غَيْرَ وَلِيٍّ لله تعالى، وغاب عنه أن الولي لا يعرف صفاته إلا الأولياء؛ فمن أين لغير الولي نفي الولاية عن إنسان؟! ما ذاك إلا محض تعصب، كما ترى في زماننا من إنكار ابن تيمية علينا وعلى إخواننا العارفين » (مخطوط “الانتصار للأولياء الأخيار” يوسف بن ملا عبد الجليل الكردي، ص 6-7).

هذا، وعلى الله قصد السبيل، ومنها جائر ولو شاء، لهداكم أجمعين.

Shortened URL
https://safircom.com/fw15
الأحكام الاشتباه التربية
شاركها. فيسبوك تويتر واتساب Copy Link

قد يهمك أيضا

حكومة أخنوش في ميزان خطبة الجمعة.. من الانتقاد إلى التبشير بالبديل الاقتصادي والسياسي 

حديث الثلاثاء: “المتحولون” عن الإسلام.. سلام روحي أم هوس عدائي؟

الإعاقة بالمغرب وإحصاء 2024: نحو سياسات عمومية دامجة وحكامة ترابية متجددة

اترك تعليقاً إلغاء الرد

آخر المقالات

نقابة البترول والغاز تحذر من “هشاشة طاقية” بسبب الخوصصة وتحرير الأسعار

19 أبريل، 2026 | 18:48

المتقاعدون غاضبون من الحكومة: تجاهُلنا في الحوار الاجتماعي “حيف” لن نصمت عنه

19 أبريل، 2026 | 17:54

المؤرخ المغربي إبراهيم القادري بوتشيش يتربع على عرش “جائزة الكويت” للتاريخ

19 أبريل، 2026 | 16:56

عندما كفّر ابن تيمية دعاة الأرض المسطحة

19 أبريل، 2026 | 16:05

ردا على “كلنا إسرائيليون”.. حامي الدين لـ”سفيركم”: هناك عملاء للصهاينة في المنطقة

19 أبريل، 2026 | 15:23

إنهاء أزمة “البوطا”.. موزعو الغاز بالمغرب يتراجعون عن الإضراب

19 أبريل، 2026 | 14:46

آلاف المغاربة يحتجون بالرباط ضد قانون “إعدام الأسرى الفلسطينيين” 

19 أبريل، 2026 | 13:59
فيسبوك X (Twitter) الانستغرام بينتيريست
  • من نحن
  • اتصل بنا
  • سياسة الخصوصية
  • فريق العمل

اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter