بقلم: فطيمة فوزي (فاعلة حقوقية)
حين تتحول مواضيع الامتحانات من اداة لتنمية التفكير النقدي الى وسيلة لاعادة انتاج افكار متجاوزة، يصبح من الضروري التوقف عند الرسائل التي تبعثها المدرسة الى المتعلمين. فاختيار موضوع يدعو التلاميذ الى مناقشة مقولة من قبيل ان “النساء خلقت فقط للزواج وانجاب الاطفال” يكشف استمرار الصور النمطية الجندرية داخل فضاء يفترض ان يرسخ قيم المساواة والكرامة الانسانية.
وانطلاقا من هذه الملاحظة، تتاسس هذه المقالة على فكرة اساسية مفادها ان مواضيع الامتحانات ليست اسئلة محايدة، بل تعكس قيما وتصورات تؤثر في وعي الاجيال. لذلك فان ادراج افكار تختزل النساء في ادوار بيولوجية او اسرية يطرح اشكالا تربويا ومجتمعيا، ويستدعي نقاشا حول مسؤولية المدرسة في مواكبة التحولات الاجتماعية وتعزيز ثقافة المساواة.
وفي هذا السياق، تبدو المدرسة مطالبة بغرس قيم المواطنة واحترام التنوع الانساني، لا اعادة انتاج تصورات تختزل النساء في وظيفة واحدة. وبعد ما حققته النساء في مختلف المجالات، يصبح من المشروع التساؤل عن جدوى طرح افكار تتجاهل هذا الواقع وتناقض مبادئ المساواة.
ومن المهم هنا التمييز بين مبدأ النقاش الحر ومضمون الافكار المطروحة للنقاش. فالمشكلة ليست في حرية النقاش، بل في طبيعة الفكرة والسياق الذي تطرح فيه. فالامتحان اداة تربوية تعكس اختيارات المجتمع وقيمه، وتشجيع التفكير النقدي لا يعني الانطلاق من فرضيات اختزالية تتعارض مع الواقع والحقوق الاساسية، بل من قضايا تتيح التحليل والنقاش على اسس سليمة.
وبناء على ذلك، يبرز سؤال مهم: اين القضايا التي تمس حاضر التلاميذ ومستقبلهم، مثل الذكاء الاصطناعي والتغير المناخي والمواطنة الرقمية والعدالة الاجتماعية؟ فهذه الموضوعات اقرب الى واقعهم واكثر قدرة على تنمية مهارات التفكير لديهم.
ومن زاوية اوسع، يبدو طرح مثل هذه الافكار متناقضا مع عالم يتجه نحو تعزيز مشاركة النساء وضمان المساواة باعتبارها حقا اساسيا. فالنساء مواطنات كاملات الحقوق، ولا يجوز اختزال ادوارهن او خياراتهن في بعد واحد من حياتهن.
وفي ضوء ما سبق، يتضح ان اخطر ما في هذه الاسئلة انها تكشف احيانا محدودية الرؤية التربوية اكثر مما تختبر قدرات التلاميذ. لذلك فان مراجعة مضامين الامتحانات ليست مجرد اصلاح تقني، بل خيار مجتمعي يحدد نوع المدرسة التي نريدها: مدرسة ترسخ المساواة، وتشجع التفكير النقدي، وتعد جيلا قادرا على الابداع والمشاركة في التنمية، لا جيلا مثقلا باحكام الماضي وصوره النمطية.

