بقلم: محمد حفيظ
ونحن على بعد أسابيع من الانتخابات التشريعية، وفي الوقت الذي كان يُنتظر أن تحتدم المواجهة بين الأحزاب المكونة للحكومة، من جهة، وأحزاب المعارضة، من جهة أخرى؛ أي بين أحزاب دَبَّرت الشأن العام طيلة خمس سنوات وأخرى تموقعت في معارضتها، وجدنا أن الصراع يشتد بين أحزاب الحكومة نفسها. وقد اشتد أساسا بين الحزبين اللذين يتقاسمان أهم الحقائب الوزارية وأكثر المقاعد النيابية؛ ويتعلق الأمر بحزب رئيس الحكومة والحزب الذي رَحَلَ أو رُحِّلَ إليه رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
لقد شهدنا، في نهاية الأسبوع، تصعيدا بلغ حد تبادل الاتهامات بسرقة المرشحين وتنشيط الترحال السياسي. واضطر رئيس الحكومة، الذي كان استقال من رئاسة حزبه، إلى العودة إلى الواجهة بعد أن توارى الرئيس الجديد إلى الخلف، ولجأ عزيز أخنوش إلى استعمال عبارات غير مألوفة في خطابه، من قبيل “اللي عندو عندو”، بكل حمولاتها السياسية وغير السياسية، ردا على غريمه “البام”، الذي احتفل بانضمام رئيس جامعة كرة القدم، بعدما أشيع أنه قد ينتقل من رئاسة الكرة إلى رئاسة الحكومة. وربما لذلك، استعار رئيس الحكومة من قاموس كرة القدم مفردات مثل “ميركاتو” و”لاعبين الماتش”…
وإذا كان المتوقع، في العادة، أن ينصب السجال السياسي بين الحكومة والمعارضة، بحيث تدافع أحزاب التحالف الحكومي عما تعتبره منجزات، فيما تسعى أحزاب المعارضة إلى تفنيد هذا الدفاع واستقطاب أصوات الغاضبين من حصيلة خمس سنوات من التدبير، فإن السجال الدائر بين مكونات الأغلبية نفسها يُمْكِن، مع ذلك، النظر إليه باعتباره سلوكا طبيعيا في الأنظمة التعددية. فمع اقتراب موعد الانتخابات، تبدأ أحزاب التحالف، بعد سنوات من الالتزام بمبدأ التضامن الحكومي، في إعادة رسم علاقتها بالحصيلة الجماعية للحكومة، إذ تركز على إنجازات وزرائها، وتُحَمِّل، ولو بصورة غير مباشرة، شركاءها المسؤولية عن التعثر في هذا المجال أو ذاك، في محاولة لتجنب تحمل الكلفة السياسية للحصيلة كاملة. وقد تجلى هذا السلوك بوضوح خلال احتجاجات شباب جيل “Z” في العام الماضي، حين سعى كل حزب إلى النأي بنفسه عن المسؤولية.
إن هذا ليس سوى وجه واحد لما يجري، وليس هو الوجه الذي ينبغي أن يستأثر باهتمامنا؛ لأنه يظل، في النهاية، نتيجة طبيعية لنظام انتخابي لا يُفْرز حزبا يشكل الحكومة بمفرده، وإنما يفرض تكوين تحالف حكومي.
أما الوجه الآخر، ولعله الأهم، فهو الذي يكشف ما هو غير طبيعي في حالتنا؛ ويتمثل في الغياب اللافت للمعارضة، التي تبدو وكأنها خارج المعادلة. فإذا كان من الطبيعي أن تبدأ أحزاب الأغلبية في إعادة التموضع استعدادا للانتخابات، فإن اللاطبيعي سياسيا هو غياب المعارضة عن هذا الاستقطاب.
إننا أمام مفارقة مزدوجة. فإذا كان وجهها الأول، المتمثل في احتدام التنافس داخل الأغلبية يبدو طبيعيا في سياق الاستعداد للانتخابات، فإن وجهها الثاني، المتمثل في غياب المعارضة، هو موطن الخلل الحقيقي. ولا تقف خطورة هذا الوجه عند كونه مفارقة سياسية، بل تمتد إلى ما قد يترتب عليه من تداعيات سياسية واجتماعية تمس توازن الحياة السياسية واستقرارها.
نعم، توجد أحزاب اختارت أو وَجدت نفسها في المعارضة، وهي لا تزال حاضرة، وتستعد بدورها للاستحقاقات المقبلة؛ تعقد اجتماعات، وتنظم لقاءات، وتعبئ لتجمعات، ويدلي بعض قادتها بتصريحات، ويشاركون في ندوات، ويُستدعون إلى برامج حوارية… ومع ذلك، لم تستطع، إلى الآن، أن تفرض نفسها قطبا سياسيا قادرا على التأطير الفعلي للنقاش العمومي، والتأثير في اتجاهاته، والتنافس على المواقع المتقدمة.
نعم، هناك أسباب متعددة لا يسمح المقام بالتوقف عندها. غير أن النتيجة التي تهمنا هنا والآن هي أن المعارضة الحالية لا تتمتع باللياقة التنظيمية والسياسية التي تؤهلها لمنافسة أحزاب الأغلبية على المواقع المتقدمة، سواء بالحلول محلها أو تقليص المجال الذي تستأثر به في المؤسسات المنتخبة.
إن أحزاب المعارضة، رغم خطابها وانتقاداتها، لم تستطع أن تملأ الموقع الذي يُفترض أن تشغله. لذلك، وجدت أحزاب الأغلبية الساحة فارغة لتحتلها، ولو بصراعاتها الداخلية. فقد أدرك كل حزب من أحزاب الأغلبية أن المنافس الحقيقي له لا يوجد في أحزاب المعارضة، وإنما في الأحزاب المتحالفة في الحكومة، لأنها تتنافس على الكتلة الانتخابية نفسها، وعلى المرشحين أنفسهم، وعلى قيادة الحكومة المقبلة. ولعل هذا ما يفسر احتدام المنافسة داخل الأغلبية أكثر مما احتدمت بينها وبين المعارضة، حتى بدا أن الصراع الحقيقي يدور داخل الأغلبية نفسها، لا بينها وبين المعارضة.
وينبغي الإقرار، بصرف النظر عن الأسباب، بأن أحزاب المعارضة، بمختلف اتجاهاتها، لم تنجح، حتى الآن، في فرض أجندتها، رغم محاولات بعض قادتها إثارة قضايا الرأي العام. فالنقاش العمومي بات، في الغالب، رهينا بخلافات أحزاب الأغلبية وسجالاتها.
وإلى حدود الساعة، لا تلوح مؤشرات على أن أحزاب المعارضة ستفرض نفسها بديلا لأحزاب الحكومة الحالية. ويبدو كما لو أنها أصبحت مقتنعة ومستسلمة إلى أن التنافس على رئاسة الحكومة سيكون بين أحزاب الأغلبية نفسها. بل إن بعض قادة أحزاب المعارضة ينتظرون فقط أن يمن عليهم “القدر السياسي” بدخول الحكومة ولو بحقيبة واحدة.
وإذا كان هذا الوضع يكشف عن أزمة في المعارضة، التي لم تستطع أن تفرض نفسها طرفا لا يمكن تجاوزه في معركة تشكيل البديل، فإنه يكشف، في الوقت نفسه، عن أزمة في الأغلبية، كما تتجلى اليوم في المشهد السياسي المغربي.
فمن يستحضر التجربة الحزبية والسياسية بالمغرب يدرك أن المنافسة المحتدمة بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة لا تعكس، بالضرورة، قوة هذين الحزبين بقدر ما تعكس تنافسا في أداء الأدوار المرسومة لهما. فهي قوة صُنعت في سياق سياسي معلوم، لكنها تظل قوة هشة، يمكن أن تنهار عند أول اختبار مجتمعي حقيقي. وليس من الضروري التذكير بظروف صناعة هذين الحزبين وظروف صعودهما، أو بالأحرى إصعادهما، فذلك مما لا يزال حاضرا في الذاكرة السياسية، وموثقا في الوقائع التي لن تمحى.
وحين يحتكر هذان الحزبان، اليوم، وهُما في موقع تدبير الشأن العام، أدوار السلطة والمعارضة معا، فإن ذلك يكرس وضعا يفضي إلى فراغ سياسي مقلق، لا يمكن أن نستهين بتبعاته.
فلا نحن أمام أغلبية حقيقية، ولا نحن أمام معارضة قوية. فلا الأغلبية تمثل المجتمع تمثيلا حقيقيا، ولا المعارضة قادرة على التنافس لإزاحة الأغلبية. وهذا، في تقديري، هو مأزق “الديمقراطية المغربية”.
فعندما ينحصر التنافس الانتخابي بين مكونات الحكومة نفسها، يغدو تنافسا حول إعادة توزيع المواقع داخل الأغلبية وتدويرها، لا تنافسا بين من يدافع عن حصيلة حكومية ومن يقدم بديلا لها. ويكون المتضرر من ذلك هو الفئات التي لم تجد في السياسات العمومية ما يستجيب لتطلعاتها. وإذا كانت الأحزاب المتنافسة هي نفسها التي تولت تدبير الشأن العام طوال الولاية الحكومية، فإن الانتخابات لن تفتح، بالنسبة إلى هؤلاء المواطنين، أفقا سياسيا جديدا، ما دام التنافس يجري بين الأحزاب التي تتقاسم الحصيلة الحكومية نفسها.
وهنا، تبرز الأهمية البالغة لوجود معارضة قوية قادرة على تحويل التذمر الاجتماعي إلى خطاب سياسي، وصياغته في برنامج بديل، يفتح أفقا أمام المتضررين والغاضبين، ويمنح الانتخابات معناها.
فالانتخابات، في الأصل، مناسبة ليتواجه مشروع حكومي مع مشروع بديل، أو مشاريع بديلة، لا أن تتواجه روايات متعددة لنفس المشروع الحكومي. ولذلك، تكمن قيمة الانتخابات في أنها تمنح المواطنين شعورا بإمكان التغيير عبر صناديق الاقتراع. لكن، إذا أصبح التنافس محصورا داخل الأغلبية الحكومية نفسها، وبين حزبين ارتبط وجودهما بإرادة إدارية أكثر مما ارتبط بإرادة شعبية، فقد يتولد لدى المواطنين انطباع بأن الانتخابات فقدت جدواها، وأنها لن تقود إلى تغيير حقيقي.
إن الخطر هنا لا يكمن فقط في إعادة تدوير السياسيين والوزراء، أو في اجترار الخطاب واستنساخ البرامج، وإنما في اتساع المسافة بين المؤسسات وانتظارات المواطنين. فكلما شعر المواطنون بأن المؤسسات السياسية المنبثقة عن العملية الانتخابية لا تعكس مطالبهم، ازداد ميل بعضهم إلى البحث عن قنوات أخرى للتعبير والمطالبة بالتغيير، قد تتخذ أشكالا مختلفة، من الاحتجاج في الشارع إلى تبني مواقف تعكس فقدان الثقة في المؤسسات القائمة.
إن أي تدخل لصناعة أغلبية أو تأبيدها، أو فرض أشخاص بعينهم لتولي رئاسة الحكومة بإرادة فوقية، لا يمس وظيفة الانتخابات فحسب، بل يشكل خطرا على الدولة نفسها وعلى الاستقرار السياسي. فبقدر ما تحتاج الدولة إلى أغلبية حقيقية، فإنها تحتاج، بالقدر نفسه، إلى معارضة قوية؛ فالمعارضة القوية تجعل التغيير ممكنا من داخل المؤسسات، وتمنح المواطنين الثقة في أن الانتخابات يمكن أن تكون طريقا حقيقيا للتغيير.
إن الأمر، في النهاية، يتعلق بجودة التنافس الديمقراطي: هل نحن أمام تنافس بين بدائل سياسية مختلفة، أم أمام منافسة داخل نفس الاختيار السياسي؟







