بقلم: مريم أبوري
كعادة قيادات حزب ( التجمع الوطني ) اليميني المتطرف مع كل دخول سياسي، تثير مارلين لوبان قضية لتسخين عضلاتها السياسية، وفي هذا الدخول الذي يعد ما قبل الأخير للانتخابات الرئاسية لعام 2027، ألقت قنبلة جديدة-قديمة. فبعد منع الحجاب سنة 2004 في المؤسسات التعليمية، في عهد رئاسة جاك شيراك و وزير التربية الوطنية بيير غافان، زعمت لوبان في هذا الصيف، أنها في حالة فوزها بالرئاسة، ستسعى إلى حظر وتجريم ارتداء الحجاب الإسلامي في كافة الأماكن العامة، والشارع، ووسائل النقل، مع فرض الشرطة غرامات مالية ضد كل مسلمة ترفض نزعه، مما أعاد إشعال جدل سياسي و قانوني.
يهدف وعد لوبان إلى سن قانون يبرر (مكافحة الأيديولوجيات الإسلاموية)؛ حيث لا تعتبر الحجاب مجرد رمز ديني، بل هو تعبير عن تيار سياسي إسلامي يسعى لفرض أفكاره على المجتمع. كما تراه أداة لإخضاع المرأة، مؤكدة أن حظره هو خطوة استباقية لتحريرها.
في المقابل، يتفق معظم خبراء القانون الدستوري و القضاء الفرنسيين على استحالة تطبيق هذا القانون دون تعديل جذري للقانون الدستوري. فالمادة الأولى من الدستور تنص على أن فرنسا جمهورية علمانية تضمن حرية المعتقد لكافة المواطنين دون تمييز، مما يفرض على الدولة ومؤسساتها الحياد. بالإضافة إلى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1789، يحمي الحريات الفردية وحرية التعبيروالمعتقد طالما لا تخل بالنظام العام. و إذا طبق هذا الحظر، سيعتبره المجلس الدستوري والمجلس الأوروبي لحقوق الإنسان مساسا بالحرية الشخصية و الدينية، ويطالبان بإلغائه. ولكن لتجاوز كل هذه المعيقات القانونية والدستورية و الحقوقية، قد تلجأ لوبان كما لمحت لذلك، إلى تنظيم استفتاء شعبي لفرض الحظر .
اثار اقتراح لوبن موجة موسعة من ردود الفعل في الساحة السياسية الفرنسية نذكر منها :
وصفت المقترح قوى اليسار المتمثل في فرنسا الأبية، الحزب الاشتراكي و الخضر، بأنه قانون تمييزي وعنصري يناقض العلمانية التي من المفروض أن تحمي حرية المواطنين. أما الجمهوريون فقد انقسمت آرائهم بين من يدعو إلى تقييد الرموز الدينية، ومن يحذر من المساس بالحرية الشخصية بالتمادي في منع الملابس في الشارع العام. أما الأغلبية الحاكمة، حزب النهضة، قد اعتبرت المقترح غير دستوري، وغير قابل للتطبيق، ومن شأنه أن يخلق مجتمعا منقسما ويهدد الحرية الفردية.
و أبدت نقابات الشرطة والأجهزة الأمنية تحفظا تجاه المقترح، إذ أكد عناصر أمنيون أن للشرطة أولويات ومهمات أكثر أهمية من ملاحقة نساء في الشوارع لارتدائهن غطاء الرأس. وحذرت قيادات أمنية من تحويل السياسيين للشرطة إلى( شرطة آداب و أزياء)؛ مما قد يصعد من حدة التوترات الميدانية و يزيد من حالة عدم الثقة والاحتكاك بين الأمن و سكان الأحياء.
وترك المقترح أثرا عميقا لدى المسلمين وغير المسلمين في فرنسا، حيث تقول المهندسة المعمارية كريمة، ذات الأصول المغاربية، 32 سنة: (أنا ابنة الجمهورية الفرنسية، ولدت هنا و تربيت على قيمها التي تزكيها العلمانية و تحافظ على حرية كل الفرنسيين. اخترت ارتداء الحجاب، وهذا اختيار شخصي ولم يجبرني عليه أي أحد، وهو خيار روحاني محض. عندما أسمع أن دولة الحريات قد ترسل لي شرطيا ليحرر ضدي غرامة بسبب غطاء رأسي، يشعرني ذلك بالذهول و الغضب؛ فهذا القانون لن يكون لحمايتي بل هو اعتداء على حريتي و امتهان لكرامتي).أما المعلمة كلير التي تبلغ من العمر 34 عاماً تعلق قائلة: (أنا فرنسية من أسرة غير مسلمة، اعتنقت الإسلام عن قناعة ودراسة شخصية قبل سنوات واقتنعت بارتداء الحجاب. أشعر بأسف شديد لاقتراح مارين لوبن؛ فهذا اعتداء على جوهر حريتي الشخصية التي يحميها الدستور وعلمانية الدولة.”
فجل الشهادات تؤكد على أن هذا المقترح يتناقض مع الدستور الفرنسي الذي يحمي حرية المعتقد، وعلى أن الحجاب في الخطاب السياسي اليميني المتطرف مفروض على النساء المسلمات، رغم كما تقول الفرنسية المسلمة ميشال ذات الخمسين سنة : (هو خيار شخصي وواعي تماماً، كما هو حال الكثيرات، و حظره بقوة القانون يعد وصاية على جسد المرأة وفرضاً لما يجب عليها ارتداؤه). ويقول ستيفان غير مسلم ذو 44 سنة: ( مقترح كهذا لا يحل أي مشكلة اجتماعية، بل سيعمق الانقسام ويجعل المواطنات المسلمات يشعرن بأنهن غير مرحب بهن في وطنهن. على الجمهورية أن تقبل جميع أبنائها بغض النظر عن دياناتهم طالما لا يخرقون القانون والدستور).ويرى برنار المسيحي ذو 61 سنة: (إذا لم نحارب هذا المقترح وسمحنا بتدخل الدولة في لباس المسلمات، فمن سيمنعها غدا من التدخل في لباس الراهبات أو منع وضع الصليب أو الكيبة؟!). أما الناشطة النسوية واللادينية صوفي ذات 30 سنة، تجد أن (حظر الحجاب بالقوة يخضع لنفس منطق فرض ارتدائه بالقوة على النساء المسلمات ).
على الجانب الآخر، هناك فرنسيات وفرنسيون يدعمون المقترح، مرتكزين على ان العلمانية تنظم الرموز لحماية المساواة والحياد. و يرون أن الشارع و الأماكن العامة والمؤسسات يجب أن تكون خالية من الشعارات والرموز الدينية لضمان المساواة بين جميع المواطنين، وهو ما يعزز في نظرهم مفهوم ( المواطنة الموحدة)، التي يجب ان تتقدم على أي انتماء ديني أو طائفي.
يظل مشروع مارين لوبان ورقة سياسية أخرى لحشد القاعدة الانتخابية اليمينية و استقطاب فئات أخرى، لكنه في حال فوزها بالرئاسة سيصطدم بنصوص دستورية صلبة، وتحفظات قانونية وحقوقية، و معارضة مجتمعية واسعة تضم مسلمين،و مسيحيين، و يهود، ولا دينيين، كما بدأت الآن بوادر اتساع حملات التضامن مع النساء المسلمات المحجبات ممن يرون في هذا المشروع تهديدا مباشرا للحريات الفردية التي قامت عليها الجمهورية الفرنسية تحت شعارها التاريخي : حرية، مساواة أخوة.


