جسركم إلى الخبر

بقلم: سعيد غيدَّى

حين أغمض عيني، مسدلا ستار الحياة، لا تطفئوا الأنوار وتتركوني في اللحد وحيدا، ما تعوّدت يوما أن أكون وحيدا، كنت أحاط بالعشب وصوت الأقدام الراكضة، ولهاث اللاعبين من أول الصافرة إلى آخر هتاف. ما كنت يوما وحيدا ولا انعزلتُ في زاوية أو انكمشتُ.
حين تنقطع أنفاسي، ويهدأ صدري من الشهيق، وتأخذ ملامحي شكلها الأخير، ويبرد جسمي، غسّلوني كما لو عدت من مباراة في ملعب الحمري، غسلوني ونشفوني جيدا، وكفنوني بالأخضر، وضعوا النسر فوق كتفي، لأقف مرة أخرى، عند خط التماس، كأنني أتأهب لأدخل في الدقائق الأخيرة، لأودع الجماهير وهي تغني نشيد الطواف الأخير، خوذوني وطوفوا بي طواف الوداع، أوصيكم ألا تحملوني إلى القبر مسرعين، تريثوا لا تستعجلوا، لا شيء هناك ينتظرني، لا شيء تماما يستحق.
دعوني أمشي على مهل، ألقي السلام على من سلم، أرد المصافح بالصفح، والعناق أطيله، دعوني أثرثر مع صحابي، أشرب قهوة الصباح وأنهر نادلا لم يحجب عني الشمس بالمظلة كما يفعل دائما، ما الذي ألهاه وأشغله عني، دعوني أفتح صفحة الجورنال لعلي أرى ابنيّ على صدر الأخبار، موشحين بالفرح.
دعوني أوصي الحسين وسفيان بالأم وبالوطن، وعش النسر، والعشب الأخضر، والبيت القديم.
طوفوا بي على المستطيل الأخضر، هنا ولدتُ وهنا متُ وهنا سأبعث حيا، لامعا كنياشين ملك.
لامعا كسن ذهب، كقرص شمس في كبد سماء رمادية. واقفا بين حياتين، وما الموت إلا المجهول الذي لا اسم له، فسماه الأحياء، أما نحن الذين نجونا، فلم نجد بعد الوقت لنسمي الأشياء هنا، منشغلون بالأعراس، وبالذكريات.

سأشتاق لكم نسرا نسرا، فأنا منذ نعومة تعبي وعرقي، ما أحببت غيركم، وما اتخذت غير داري دارا، ولا عشٌّ على أشجاري لغير النسور وكرا، احملوني في هتافكم، غضبا ساطعا، أو حلما، أو فلسطينيا يزحف على أطرافه، أو اضربوا بي طائرة تتصيد الأطفال والنساء بالرصاص والماء الحارق.
وإذا توشحتم بالسواد وشحوني، ومتى احتفلتم بالأفراح لا تنسوا نصيبي من الشهب، اصعدوا فوق سطح بيتي ولوحوا بالشموع، واكشفوا عن وجوهكم، فأنا أعرفكم بالعيون والأسماء وتواريخ الميلاد، يا إخوة سفيان والحسين.
سأشتاق لكم نسرا نسرا، كم انتظرتكم في الملاعب كي تملؤا الأمكنة أغان وهديراً، كم بكينا وكم فرحنا، وكم تعانقنا ومشينا في الهتاف إلى آخر الشارع، غير آبهين بأضواء المرور، ولا ببوليس الإشارة، ولا باتجاه السير ولا نوم الجيران..
أنا طفلكم على الدوام، مثلكم. ألعن الوقت بدل الضائع، وألعن حكم الشرط، وألعن المدربين والجامعة، والعارضة، وأبكي.

أما الآن، فأنا لستُ مثلكم، أقل شأنا منكم، أقل فرحا منكم، أقل بكاء منكم. لا ذكريات لأصنعها، لا عارضة ولا جامعة لألعنها، ولا كرات طائشة لأردها. لا ثقب في الجدار لأعلق عليه صوركم. ولا حافلة تمر من أمام باب بيتي الجديد، لألوح لها، ولا أشجار في الحديقة الخلفية تحط عليها النسور. لا شارع أخرج إليه لأحتفل، لا صحافة ولا أخبار عن الحسين وسفيان، لا قنوات تخبرني عن أحوال الطقس، ولا بائع الماء المعدني ولا نادل يزيح عن الشمس ظل الصباح، لأتدفأ في هذا المكان البارد.
لا تنسوني يا إخوة أبنائي، حلقوا فوقي أسرابا، فإني أحبكم نسرا نسرا، ولا تنسوا نصيبي من الفرح والشهب.

شاركها.

التعليقات مغلقة.