تلوح في الأفق بوادر أزمة سياسية ودبلوماسية جديدة بين مدريد والرباط، على خلفية تصاعد التوتر المرتبط بأزمة التدفق الجماعي للمهاجرين نحو سبتة المحتلة، وتزايد حدة الخطاب السياسي المتبادل بين البلدين. في وقت بدأت فيه الحسابات الانتخابية تلقي بظلالها على النقاش العام في كل من إسبانيا والمغرب.
ومنذ أزمة سبتة التي شهدت عبور أكثر من 72 ألف شخص نحو المدينة في نهاية يوليوز الماضي. تحولت قضية الهجرة وأمن الحدود إلى واحدة من أكثر الملفات حساسية في الساحة السياسية الإسبانية.
وبينما تؤكد الحكومة الإسبانية، وعلى رأسها رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، عدم وجود أدلة صلبة تثبت أن المغرب خطط أو نفذ عملية التدفق الجماعي. فإن أحزاب المعارضة وبعض الأجهزة الأمنية الإسبانية توجه أصابع الاتهام إلى المغرب. وتعتبره “تساهل” في التصدي للمهاجرين. فيما ذهبت بعض الأطراف إلى الزعم بأنه شجع المهاجرين على اقتحام سبتة.
وفي خضم هذه الأزمة، ارتفعت نبرة الخطاب السياسي في إسبانيا، خصوصا لدى أحزاب المعارضة واليمين، التي وجدت في أحداث سبتة مادة سياسية ضاغطة على حكومة سانشيز. متهمة إياها بالتساهل في حماية الحدود وبالتعامل بشكل غير حازم مع المغرب. وشهدت مدن إسبانية، بينها سبتة ومدريد وبرشلونة وبيلباو، احتجاجات مرتبطة بتداعيات الأزمة. في وقت اتهمت فيه الحكومة المعارضة باستغلال الملف لأهداف سياسية.
ولم يبق التصعيد محصورا في الجانب الإسباني، إذ تزامن ارتفاع حدة الخطاب تجاه المغرب مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في المملكة، المقرر إجراؤها في 23 شتنبر الجاري. ودخلت قضية سبتة ومليلية بدورها في الخطاب الانتخابي لبعض الأحزاب المغربية، التي ردت على المواقف الإسبانية بالتشديد على مغربية المدينتين واعتبارهما أراضي محتلة. وهو ما منح الخطاب السياسي الإسباني مادة إضافية للتصعيد والاتهام.
وبدأت قضية سبتة ومليلية تتحول تدريجيا من ملف دبلوماسي حساس إلى ورقة انتخابية على جانبي مضيق جبل طارق. ففي إسبانيا، تواجه الحكومة المركزية ضغطا متزايدا من المعارضة والسلطات المحلية في سبتة. بينما يسعى بعض الفاعلين السياسيين إلى تقديم الأزمة باعتبارها دليلا على ضعف الحكومة في حماية الحدود.
وقد انعكس هذا المناخ المتوتر على الشارع أيضا، مع خروج مظاهرات في إسبانيا احتجاجا على طريقة تدبير أزمة سبتة. فيما شهدت مدريد، أمس الثلاثاء، واقعة إحراق العلم المغربي خلال احتجاج. في مشهد يعكس مستوى التوتر الذي بدأت تبلغه القضية وتحولها إلى مادة للتعبئة السياسية والشعبية.
وتجد حكومة بيدرو سانشيز نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية، فمن جهة، تتعرض لضغوط متصاعدة من المعارضة واليمين لاتخاذ موقف أكثر تشددا تجاه المغرب. ومن جهة أخرى، تدرك أهمية التعاون مع الرباط في ملفات الهجرة والأمن ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر.
وفي المقابل، أكدت الحكومة الإسبانية تمسكها بسيادتها على سبتة ومليلية. حيث شدد سانشيز في البرلمان على أن حكومته “لن تتخلى أبدا” عن السيادة الإسبانية على المدينتين. مع دعوته في الوقت نفسه إلى تعزيز التعاون الأوروبي بشأنهما.
وبينما تتقاطع الحسابات الانتخابية مع ملف بالغ الحساسية بالنسبة للبلدين. يطرح التصعيد المتبادل سؤالا أكبر، هل يتحول “السعار” الانتخابي إلى أزمة سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة بين مدريد والرباط؟. فاستمرار ارتفاع نبرة الاتهامات، وتوظيف ملف سبتة ومليلية في الخطاب الانتخابي، وانتقال التوتر من المؤسسات السياسية إلى الشارع، قد يجعل احتواء الأزمة أكثر صعوبة.


