بقلم: يوسف المساتي
قبل أشهر تداول عدد من المغردين مقطع فيديو لرائدي الفضاء السعوديين ريانة البرناوي وعلي القرني، تحدثا فيه خلال مقابلة تلفزيونية عن كروية الأرض، وأنهما شاهداها كروية، وبينما وعد علي المشاهدين بمقطع تأكيدي، أقسمت ريانة بالله أنها كروية.
قد يبدو للبعض أن السؤال سخيف أو ينتمي لعصور ولت، لكن الحقيقة أنه على النقيض من ذلك، أمام تنامي موجة القائلين بتسطيح الأرض، وهي حركة عالمية انبعثت في ثلاثينات القرن المنصرم تعتبر الأرض مسطحة، وأن القول بكرويتها يدخل في سياق مؤامرة تديرها وكالة الفضاء الأمريكية النازا وحكومات العالم للتدليس على الناس وتزييف وعيهم.
وأمام انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بدأت الحركة تعرف صداها في البلدان ذات الأغلبية الدينية الإسلامية. حيث تلقى كل نظريات المؤامرة رواجا واسعا. وبدأ البعض يتسلح بالنصوص الدينية قرآنية وحديثية ليستدل على صدق النظرية. بل وصل الأمر بالبعض إلى تكفير القائلين بكرويتها.
من التونسي .. إلى الصين التي تأتي
يشير الشيخ على الطنطاوي في مذكراته إلى بداية رواج الفكرة في الأوساط الفقهية على يد الكافي التونسي (توفي سنة 1960)، حيث أورد في مذكراته أنه بعد ألف ومئتي سنة بدأت الألسنة تشكك في كروية الأرض. ثم جاء الشيخ الكافي التونسي بكتابين هما “الأجوبة الكافية” و”المسائل الكافية”. حيث “ذهب فيها شتى المذاهب وجاء بما توهمه دليلا على إنكار حركة الأرض والزعم بأنها ثابتة والشمس تدور من حولها، كما كان يعتقد الفلاسفة من اليونان. وعن الشيخ الكافي أخذ من قال هذه المقالة من العلماء هنا (ذكريات علي الطنطاوي، المجلد 8، ص 400).
بعد الكافي تناسلت مواقف الفقهاء. ولعل أشهرها في الفترة الحالية موقف الداعية بندر الخيبري صاحب الجملة الشهيرة “تأتي الصين ولا ما تأتي”، خلال ما اعتبره استدلالا عقليا على أن الأرض مسطحة. إضافة إلى “أدلة عقلية ونقلية” أخرى أوردها في معرض حديثه عن تسطيح الأرض. أما الشيخ عمرو عبد اللطيف، وهو أحد شيوخ الحديث في مصر، فقد ذهب أبعد من السابق. عندما قال أن العلماء “أجمعوا” قديما وحديثا على أن الأرض مبسوطة، وأن فيهم من أفتى بكفر من قال بكروية الأرض.
أمام حدة التكفير الصادرة عن الشيخ كان من الضروري التنقيب في المصادر الإسلامية التراثية لاستجلاء الأمر. فكان الانطلاق من كتب الجغرافيين وعلم الأرض والهيئة وصولا إلى كتب الفقهاء.
قبل الأقمار الصناعية ب 1000 سنة .. هكذا رأى المسلمون الأرض
يبدو إجماع علماء الجغرافيا الإسلامية في القرون الوسطى على كروية الأرض واضحا، ومن أقدم الآراء المنقولة في هذا السياق. ما نقله ابن خرذابة المتوفي سنة 280 ه/893م، في كتابه “المسالك والممالك”، عن الأرض “أنها مدورة كتدوير الكرة، موضوعة في جوف الفلك، كالمحة في جوف البيضة، والنسيم حول الأرض، وهو جاذب لها من جميع جوانبها إلى الفلك”.
وكذلك أكد على الأمر الجغرافي ابن رسته (ت 903م) في كتابه “الأعلاق النفيسة”. قائلا: “والأرض مستديرة أيضًا ومصمتة في جوف الفلك”. وعلى غرار ذلك سار البتاني المتوفي سنة 317 ه/929م، في كتابه زيج الصابيء: “إن الأرض مستديرة وأن مركزها في وسط الفلك والهواء محيط بها من كل الجهات”.
أما الشريف الادريسي صاحب الخريطة الشهيرة، فقد أورد في كتابه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”، ما نصه: “إن الذي تحصل من كلام الفلاسفة وجلة العلماء وأهل النظر في علم الهيئة أن الأرض مدورة كتدوير الكرة والماء لاصق بها وراكد عليها ركودا طبيعيا لا يفارقها”.
ونجد القزويني في القرن الثالث عشر الميلادي يقول: “الأرض كرة، والدليل على ذلك أن خسوف القمر إذا كان يُرى من بلدان مختلفة فإنه لا يُرى فيها كلها في وقت واحد بل في أوقات متعاقبة لأن طلوع القمر وغروبه يكونان في أوقات مختلفة”. بينما يسوق أبو الفداء الذي ينتمي لنفس الفترة الزمنية عددا من الأدلة “العقلية” على كروية الأرض. حيث أورد في كتابه “تقويم البلدان” ما نصه: “أما جملة الأرض فكروية الشكل حسبما ثبت في علم الهيئة بعدة أدلة”.
ابتداء من القرن 12م بدأ النقاش حول كروية الأرض أو تسطيحها يتسع. وبدأت كتب الجغرافيا تخصص هامشا أكبر لمناقشة الفكرة والاستدلال عليها. ولعل هذا ما حذا بالمقريزي إلى تخصيص رسالة من رسائله للأمر. أسماها ب”المقاصد السنية في معرفة الأجسام المعدنية”، حيث قال عن الأرض أن “شكلها قريب من الكرة”.
تسطيح الأرض: ابن تيمية يواجه السلفية المعاصرة
وإذا كان مؤيدوا كروية الأرض المعاصرين يستشهدون بالفقهاء. ويعتبرون الأمر انتصارا للمعرفة الدينية، ضدا على تزييف العلوم وغيرها من الشعارات. فإن مما يوجب التوقف والإشارة أن أغلب رجال الدين خلال الفترة الوسيطية ساروا على نهج العلماء والجغرافيين، وأقروا كروية الأرض. بل ووصلوا إلى حد تجهيل وتسطيح من يقول بسطحيتها، وتكفيره.
ومن أقدم الإشارات التاريخية ما نعثر عليه عند الفقيه المتصوف والمؤرخ المطهر بن طاهر المقدسي (توفي أواخر القرن الرابع الهجري) والذي يعتبر عالما من أعلام السنة والجماعة. فقد ذكر اختلاف أقوال القدماء في شكل الأرض وصفتها، في كتابه “البدء والتاريخ”. وبعد أن ينتهي من جرد كل الآراء يقرر أن “الذي يعتمده جماهيرهم أن الأرض مستديرة كالكرة وأن السماء محيطة بها من كل جانب إحاطة البيضة بالمحة”.
أما الإمام ابن حزم الاندلسي المتوفي سنة 1064، وهو مؤسس المذهب الظاهري، والذي يشكل أحد رموز التقليدية الدينية والتمسك بظاهر النص، فقد قال في كتابه “الفصل في الملل والأهواء والنحل: “وذلك أنهم قالوا إن البراهين قد صحت بأن الأرض كروية، والعامة تقول غير ذلك، وجوابنا وبالله تعالى التوفيق، إن أحد من أئمة المسلمين، المستحقين لاسم الإمامة بالعلم رضي الله عنهم، لم ينكروا تكوير الأرض، ولا يحفظ لأحد منهم في دفعه كلمة، بل البراهين من القرآن والسنة قد جاءت بتكويرها”.
لم يكتف ابن حزم بتأييد القول بكروية الأرض. بل اعتبر أن القول بتسطيحها قول العامة. وهو مصطلح ذو طبيعة قدحية في الثقافة الوسيطية. يحيل على الجهل وغياب المعرفة. مضيفا أنه لا أحد من أئمة العلم أبدى اعتراضه على كروية الأرض.
ويبدو أن الأمر صار من المعلوم من العلم والدين بالضرورة. إذ نجد أن أبو الفرج بن الجوزي المتوفي سنة 1200، وهو أحد كبار الحنابلة، ينص في كتابه “المنتظم في تاريخ الملوك والأمم”، على أن الأرض “على هيئة الكرة على تدوير الفلك”.
أما أكثر ما يدعو للاستغراب ويكشف عن تناقض دعاة سطحية الأرض. فهو موقف ابن تيمية الذي يعتبر الإطار المرجعي للحركات السلفية المعاصرة التي ينتمي لها كثير من دعاة سطحية الأرض. والذي تطرق أكثر من مرة للموضوع، حيث خصص فصلا كاملا في الجزء الخامس من مجموع فتاويه لكروية الأرض. كان مما جاء فيه: “اعلم أن الأرض قد اتفقوا على أنها كروية الشكل وهي في الماء المحيط بأكثرها”. واسترسل بعد ذلك يشرح الأدلة النقلية والعقلية على كرويتها.
وسيذهب مذهبا أبعد من ذلك في الجزء السادس من مجموع فتاويه. واصفا من يقول بتسطيح الأرض بالجهلة والفاسدين قائلا: “ولا أعلم في علماء المسلمين المعروفين من أنكر ذلك، إلا فرقة يسيرة من أهل الجدل لما ناظروا المنجمين، فأفسدوا عليهم فاسد مذهبهم. وما علمت من قال إنها غير مستديرة إلا من لا يؤبه له من الجهال”.
من خلال ما مضى يبدو واضحا أن القول بكروية الأرض كان حقيقة علمية متفقا عليها بين رجال الدين والعلم. بل ربما يمكن القول، أنها من أكثر ما تم الاتفاق بين الطرفين خلال الفترة الوسيطية. بل واعتبرت الآراء التي تقول بعكس هذا آراء فاسدة وجاهلة وضالة. ولم تنتعش دعوات سطحية الأرض. إلا بعد أربعينيات القرن العشرين. أما أسباب انتعاش هذه الدعوات .. فذلك مجال لأكثر من حديث ونقاش.


