عاد قرار صادر عن محكمة النقض سنة 2017 إلى واجهة النقاش القانوني خلال الأيام الأخيرة، بعدما أعيد تداوله على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات القانونية. لما تضمنه من اعتبار نوم الأجير داخل مقر العمل ولساعات متواصلة خطأ جسيما يبرر إنهاء عقد الشغل دون تعويض.
وأثار القرار اهتماما واسعا، باعتباره يعالج إحدى القضايا التي تتكرر داخل فضاءات العمل. والمتعلقة بحدود مسؤولية الأجير ومدى مشروعية فصل المشغل له بسبب النوم أثناء ساعات العمل.
وأعاد هذا القرار فتح النقاش حول مفهوم “الخطأ الجسيم” في مدونة الشغل. خاصة أن عددا من المتابعين اعتبروا أن النوم أثناء العمل لا ينبغي أن يؤدي تلقائيا إلى الفصل. بينما رأى آخرون أن الأمر يختلف بحسب ظروف كل نازلة وطبيعة المهام التي يزاولها الأجير.
كما أثار القرار تساؤلات حول مدى اشتراط إثبات الضرر الذي قد يلحق بالمقاولة. أو الاكتفاء بمجرد إخلال الأجير بالتزاماته المهنية لتبرير إنهاء علاقة الشغل دون تعويض.
وفي هذا السياق، قدم المحامي بهيئة الرباط، عمر الداودي، قراءة قانونية لهذا الاجتهاد القضائي. موضحا أن الأمر لا يتعلق باعتبار كل حالة نوم أثناء العمل خطأ جسيما بشكل تلقائي. وإنما يخضع لتكييف قانوني يستند إلى ظروف كل قضية ومدى إخلال الأجير بالتزاماته العقدية.
المادة 36 ليست لائحة مغلقة للأخطاء الجسيمة
وأوضح الداودي أن المادة 36 من مدونة الشغل، التي تحدد حالات الخطأ الجسيم، لم ترد على سبيل الحصر، وإنما جاءت على سبيل المثال. وهو ما استقر عليه الفقه الفرنسي والاجتهاد القضائي المغربي، بما في ذلك محكمة النقض.
وأضاف أن هذا التوجه يمنح محاكم الموضوع سلطة تقديرية واسعة في تقييم الوقائع المعروضة عليها. لتحديد ما إذا كان السلوك المرتكب يرتقي إلى مستوى الخطأ الجسيم الذي يبرر الفصل. غير أن هذه السلطة تبقى خاضعة لرقابة محكمة النقض باعتبارها محكمة قانون، التي تراقب سلامة التكييف القانوني للوقائع ومدى انسجامه مع النصوص المنظمة لعلاقة الشغل.
وأشار إلى أن القضاء يعتمد في هذا المجال على مجموعة من المعايير، من بينها مدى إخلال الأجير بالتزاماته التعاقدية. وتأثير هذا الإخلال على السير العادي للمقاولة، إضافة إلى مدى مساسه بجوهر العلاقة الشغلية التي تربط الأجير بالمشغل.
وأكد أن القضاء لا يكتفي بالنظر إلى طبيعة الفعل في حد ذاته، وإنما يراعي أيضا الظروف التي وقع فيها، والوظيفة التي يشغلها الأجير. والالتزامات الملقاة على عاتقه، وهو ما يجعل كل قضية تخضع لتقدير مستقل بحسب ملابساتها.
علاقة التبعية أساس التكييف القانوني للنوم أثناء العمل
وشدد المحامي بهيئة الرباط على أن أهم التزام يفرضه عقد الشغل على الأجير هو وضع نفسه رهن إشارة المشغل طوال ساعات العمل. وهو ما يعرف قانونا بعلاقة التبعية. وبالتالي فإن الأجير الذي يتوقف عن أداء مهامه ويخلد إلى النوم يكون قد أخرج نفسه من هذه العلاقة. بما يشكل إخلالا بأحد أهم الالتزامات العقدية.
وأوضح الداودي أن محكمة النقض ذهبت في أحد قراراتها إلى اعتبار أن الأجير الذي يترك عمله لينام أثناء ساعات العمل يكون قد أخل بواجباته المهنية. ولم تجعل إثبات الضرر الذي لحق بالمقاولة شرطا أساسيا لقيام الخطأ الجسيم. بل ركزت على أن الأجير لم يعد يضع نفسه رهن إشارة المشغل خلال فترة النوم، وهو ما يشكل إخلالا بالعلاقة التبعية.
وأضاف المتحدث أن المادة 36 من مدونة الشغل تشير في إحدى حالاتها إلى الأفعال التي تضر بالسير العادي للمقاولة. إلا أن هذا المعيار ليس الوحيد الذي يعتمده القضاء. إذ يتم كذلك تقييم مدى الإخلال بتنفيذ الالتزامات العقدية، باعتبار أن عقد الشغل يقوم أساسا على التزام الأجير بأداء العمل خلال الزمن المتفق عليه.
وأشار الداودي إلى أن تقدير جسامة النوم أثناء العمل يختلف من وظيفة إلى أخرى. فالأجير المكلف بالحراسة الليلية أو بحماية منشآت أو معدات أو تجهيزات حساسة قد يؤدي نومه إلى السرقة أو الإتلاف أو وقوع حوادث، وهو ما يجعل الخطأ أكثر جسامة ويبرر الفصل دون تعويض. أما في وظائف أخرى، فقد تكون درجة الخطورة أقل، وهو ما يفسر منح القانون لمحاكم الموضوع سلطة تقدير كل حالة على حدة.
وختم المحامي عمر الداودي بالتأكيد على أن مكان العمل مخصص لتنفيذ الالتزامات المهنية. وأن ساعات العمل تفرض على الأجير أن يظل رهن إشارة مشغله من أجل ضمان السير العادي للمقاولة وتحقيق الإنتاج. مشيرا إلى أن الاجتهاد القضائي المغربي يكرس هذا المبدأ، مع الإبقاء على السلطة التقديرية للقضاء في تكييف كل واقعة بحسب ظروفها وملابساتها.

