إعادة القاصرين غير المصحوبين لا يمكن أن تتم بقرار جماعي أو بمجرد اتفاق بين مدريد والرباط، بل تتطلب دراسة فردية لوضع كل قاصر، والتحقق من ظروفه الأسرية، والاستماع إليه، ومراعاة مصلحته الفضلى، مع تدخل أجهزة الحماية والنيابة العامة، تلك هي الخلاصة التي تؤخر وتعقد هذا الملف الذي أصبح مثار جدل بين المغرب واسبانيا والمنظمات المدنية واليونيسيف.
دخل ملف القاصرين المهاجرين غير المصحوبين في سبتة مرحلة جديدة من التعقيد، بعدما تحولت المدينة إلى بؤرة لأزمة هجرة غير مسبوقة، إثر التدفق الجماعي للمهاجرين من المغرب خلال أواخر يوليوز الماضي.
وبينما تمكنت السلطات الإسبانية من إعادة أعداد كبيرة من المهاجرين البالغين إلى المغرب، فإن وضع القاصرين مختلف جذريا. فالقاصر غير المصحوب لا يمكن التعامل معه باعتباره مهاجرا بالغا يمكن إعادته بمجرد تحديد هويته أو إثبات أنه دخل من الأراضي المغربية.
وتؤكد المعطيات الرسمية أن 1,342 قاصرا كانوا قد سجلوا في سبتة خلال الأيام الأولى للأزمة، في وقت تشير فيه مصادر ومنظمات إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر، بسبب وجود قاصرين لم يتم تحديد هوياتهم أو تسجيلهم بعد. كما ارتفعت لاحقا تقديرات الحكومة بشأن عدد القاصرين الموجودين في المدينة، ما يعكس صعوبة حصر العدد بشكل نهائي في ظل استمرار عمليات التعرف والتسجيل.
اليونيسف: الخطر لا يكمن فقط في الهجرة
وسط هذه الوضعية، أطلقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف تحذيرا شديد اللهجة، مطالبة إسبانيا بضمان الحماية الفورية للقاصرين غير المصحوبين الموجودين في سبتة.
وأعرب المدير التنفيذي لليونيسف إسبانيا، خوسيه ماريا فيرا، عن “أقصى درجات القلق”، مشيرا إلى أن الرقم الرسمي قد لا يعكس العدد الحقيقي، لأن هناك أطفالا وقاصرين ما زالوا مختبئين في منازل أو مناطق أخرى ولم يتم تسجيلهم.
وترى المنظمة أن الأولوية الأولى ليست إعادتهم أو توزيعهم، وإنما العثور عليهم وتحديد هوياتهم وإدخالهم فورا إلى منظومة الحماية، ثم دراسة وضع كل واحد منهم على حدة، بما في ذلك إمكانية لمّ شمله مع أسرته.
وتزداد المخاوف بسبب صغر سن عدد من هؤلاء القاصرين، ووجود فتيات بينهم، وافتقار كثير منهم إلى شبكة أسرية أو اجتماعية تحميهم. وتحذر اليونيسف من تعرضهم للاستغلال والاتجار بالبشر، في وقت تم فيه الإبلاغ عن حالات اعتداء جنسي على بعض القاصرات.
لماذا لا تستطيع إسبانيا ببساطة إعادتهم إلى المغرب؟
هنا تبدأ المتاهة القانونية. فالقانون الإسباني لا يسمح بالتعامل مع القاصرين غير المصحوبين بالطريقة نفسها التي يعامل بها البالغون. والمبدأ الأساسي الذي يحكم أي قرار يتعلق بهم هو المصلحة الفضلى للطفل.
وبالتالي، فإن وجود اتفاق أو تفاهم بين إسبانيا والمغرب بشأن إعادة القاصرين لا يكفي وحده لتنفيذ عملية إعادة جماعية.
فكل قاصر يمثل ملفا مستقلا، ويجب معرفة هويته، ووضعه العائلي، ومكان وجود أسرته، والظروف التي ستتم فيها عودته، وما إذا كان هناك شخص أو جهة قادرة على تولي رعايته في المغرب.
كما يجب الاستماع إلى القاصر نفسه عندما تكون لديه القدرة الكافية على الإدراك والحكم، وإشراك الجهات المختصة بحمايته والنيابة العامة في المسار.
وقد سبق للمحكمة العليا الإسبانية أن أكدت، في قضية إعادة قاصرين مغاربة من سبتة سنة 2021، أن السلطات لم تحترم الإجراءات التي يفرضها القانون، ومن بينها الدراسة الفردية للملفات، والحصول على معلومات عن وضع القاصرين، والاستماع إليهم، وتدخل النيابة العامة.
وهذه السابقة القضائية تجعل أي عملية إعادة جماعية جديدة للقاصرين محفوفة بإشكالات قانونية كبيرة.
الأسرة المغربية.. الحلقة الأساسية في قرار العودة
لا يعني كون القاصر مغربيا وأنه دخل إلى سبتة ان إعادته إلى المغرب تصبح تلقائية.
فالسلطات الإسبانية مطالبة بالتحقق أولا من الظروف الأسرية للقاصر.
هل لديه أب أو أم أو أقارب يمكنهم استقباله؟ هل الأسرة معروفة وقادرة على رعايته؟ هل إعادة القاصر إليها آمنة؟ هل هناك عنف أو إهمال أو استغلال أو ظروف اجتماعية تجعل العودة غير مناسبة؟ وهل يرغب القاصر نفسه في العودة؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل ثانوية، وإنما تدخل في صلب التقييم الذي يجب أن يسبق اتخاذ قرار الإعادة.
وفي حال كان لمّ الشمل مع الأسرة هو الحل الذي يحقق مصلحة القاصر، يمكن أن يصبح ذلك أحد الخيارات المطروحة. أما إذا لم تكن هناك أسرة قادرة على استقباله، فيمكن بحث إمكانية وضعه تحت مسؤولية أجهزة حماية الطفولة في المغرب، شريطة وجود ضمانات والتزام من الجهات المختصة بتحمل المسؤولية عنه.
الاتفاق المغربي الإسباني لا يلغي القانون
أبدى المغرب استعداده للتعاون مع إسبانيا في تحديد هوية القاصرين المغاربة وإعادتهم إلى بلدهم، في إطار التعليمات الملكية التي وجهت إلى وزارتي الداخلية والخارجية للتعاون في هذا الملف.
لكن هذا الاستعداد السياسي والدبلوماسي لا يعني أن عملية الإعادة يمكن أن تتم خارج الإطار القانوني الإسباني والأوروبي.
وهذه النقطة بالذات تكتسي أهمية خاصة في ضوء حكم المحكمة العليا الإسبانية المتعلق بعمليات الإعادة التي جرت سنة 2021، إذ أكدت المحكمة أن الاتفاق المغربي الإسباني لا يمكن أن يحل محل الإجراءات التي يفرضها القانون الإسباني لحماية القاصرين.
بمعنى آخر، يمكن لمدريد والرباط أن تتفقا على التعاون، لكن لا يمكن للاتفاق السياسي أن يلغي الضمانات القانونية المقررة للقاصر.
وفي حال تبين أن إعادة القاصر إلى أسرته أو إلى منظومة الحماية في بلده الأصلي غير ممكنة أو لا تخدم مصلحته الفضلى، فإن القانون الإسباني يوفر مسارا آخر.
ويتمثل ذلك في استمرار وضعه تحت حماية السلطات الإسبانية، والشروع، في الحالات التي تنطبق عليها الشروط القانونية، في إجراءات تسوية وضعه ومنحه تصريحا بالإقامة.
وبذلك، فإن عدم إمكانية الإعادة لا يعني ترك القاصر في وضعية قانونية معلقة، وإنما ينقل الملف إلى مسار الحماية والإقامة.
أزمة الاستقبال تضغط على مدريد وسبتة
لكن المشكلة لا تتعلق بالقانون وحده. فمدينة سبتة، التي تتوفر على قدرة محدودة أصلا لاستقبال القاصرين، وجدت نفسها أمام أعداد تفوق طاقتها بشكل كبير. وقد أدى ذلك إلى ضغط هائل على منظومة الرعاية، الأمر الذي دفع الحكومة المركزية إلى البحث عن توزيع القاصرين على باقي الأقاليم الإسبانية.
وتنص الآليات التي طورتها إسبانيا في السنوات الأخيرة على إمكانية إعادة توزيع القاصرين غير المصحوبين عندما تتجاوز إحدى المناطق طاقتها الاستيعابية، بما يفرض نوعا من المسؤولية المشتركة بين مختلف الأقاليم.
وفي هذا السياق، تدخلت النيابة العامة الإسبانية أيضا، مؤكدة ضرورة حماية القاصرين، وحذرت من تبعات رفض بعض الأقاليم استقبال حصتها من القاصرين وفقا للآلية المعتمدة.
فوكس يرفض.. واليونيسف تحذر
الملف تحول أيضا إلى مواجهة سياسية داخل إسبانيا. فحزب فوكس أعلن رفضه توزيع القاصرين الموجودين في سبتة على باقي الأقاليم، وهدد بالطعن في الملفات التي لا تنتهي بإعادتهم إلى المغرب.
لكن اليونيسف ترى أن رفض استقبال القاصرين يتعارض مع الالتزامات القانونية المتعلقة بحقوق الطفل، سواء في القانون الدولي أو الأوروبي أو الإسباني.
وهنا يظهر التناقض الأساسي في الأزمة: الضغط الاجتماعي والسياسي يدفع باتجاه إيجاد حل سريع، بينما القانون يفرض مسارا فرديا يحتاج إلى الوقت والتدقيق.
من جهة، تواجه المدينة ضغطا استثنائيا بسبب العدد الكبير من القاصرين الموجودين على أراضيها، ولا تستطيع منظومة الحماية المحلية تحمل الوضع إلى ما لا نهاية.
ومن جهة ثانية، لا يمكن اختزال الحل في عملية إعادة جماعية إلى المغرب، لأن كل قاصر يتمتع بضمانات قانونية خاصة.
ولهذا تبدو عملية إعادة القاصرين أكثر تعقيدا بكثير من إعادة المهاجرين البالغين.
فبالنسبة إلى البالغ، يمكن أن تكون إجراءات الإعادة أو الترحيل سريعة نسبيا وفق الوضع القانوني لكل شخص. أما القاصر غير المصحوب، فقبل عبوره الحدود مجددا، يجب أن تمر قضيته عبر سلسلة من الأسئلة والإجراءات: من هو؟ من أسرته؟ من سيستقبله؟ هل العودة آمنة؟ ماذا يقول القاصر نفسه؟ وهل العودة تخدم مصلحته الفضلى؟
المعركة الحقيقية ليست حول العدد.. بل حول شروط العودة
وبذلك، فإن السؤال الذي تواجهه إسبانيا والمغرب حاليا ليس فقط: كم قاصرا يمكن إعادته إلى المغرب؟
السؤال الأكثر دقة هو: كم قاصرا يمكن إعادته بشكل قانوني وآمن، وبعد التأكد من أن العودة تخدم مصلحته الفضلى؟
فالعودة ليست مجرد عبور للحدود، ولا يمكن أن تتحول إلى نتيجة تلقائية لاتفاق سياسي بين دولتين.
إنها، في نظر القانون الإسباني، قرار فردي يتعلق بمستقبل طفل، ويستوجب التحقق من ظروفه الأسرية والاجتماعية، والاستماع إليه، وتدخل أجهزة الحماية والنيابة العامة، والتأكد من توفر شروط الاستقبال والرعاية في الجهة التي سيعاد إليها.
وتزداد حساسية الملف في ظل الأزمة الحالية، خصوصا مع استمرار الحديث عن قاصرين غير مسجلين، وتحذيرات المنظمات الإنسانية من مخاطر الاستغلال والاتجار والاعتداءات.
لذلك، فإن أي محاولة لتسريع عمليات الإعادة على حساب هذه الضمانات قد تضع إسبانيا أمام معركة قانونية جديدة، على غرار ما حدث بعد عمليات إعادة القاصرين إلى المغرب سنة 2021، والتي انتهت إلى إقرار عدم قانونيتها بسبب عدم احترام الإجراءات المطلوبة.
في نهاية المطاف، تبدو أزمة القاصرين في سبتة عالقة بين ثلاث ضرورات متعارضة: رغبة إسبانيا في تخفيف الضغط عن المدينة، واستعداد المغرب للتعاون في إعادة مواطنيه، والتزام إسبانيا القانوني بحماية كل قاصر وتقديم مصلحته الفضلى على أي اعتبار آخر.
وهذه المعادلة هي التي ستحدد، في النهاية، من سيعود إلى المغرب، ومن سيبقى في إسبانيا، وكيف ستتم كل عودة، وتحت أي ضمانات.


