حل مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية. بالجزائر في زيارة تندرج ضمن تحركات أمريكية مرتبطة بتعزيز العلاقات الثنائية وبحث عدد من الملفات الإقليمية. في مقدمتها قضايا الأمن والاستقرار في المنطقة.
وتأتي الزيارة في ظرفية دقيقة بالنسبة لمسار قضية الصحراء المغربية ، خاصة مع اقتراب موعد انتهاء ولاية بعثة الأمم «المينورسو» في 31 أكتوبر المقبل. وما يرافق ذلك من تحركات دبلوماسية تروم الدفع بالعملية السياسية نحو مرحلة جديدة.
وفي هذا السياق، اعتبر محمد سالم عبد الفتاح، الباحث المتخصص في قضية الصحراء ورئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، أن زيارة مسعد بولس إلى الجزائر لا تبدو مجرد محطة في جولة أمريكية مخصصة لتطوير العلاقات الثنائية. بل تأتي في لحظة دقيقة من مسار ملف الصحراء، حيث انتقلت واشنطن من مجرد رعاية المفاوضات إلى محاولة تهيئة شروط الانتقال نحو تسوية نهائية على أساس الإطار الذي أرساه القرار 2797. والمتمثل في مرجعية المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
الجزائر في صلب التحرك الأمريكي
وأوضح عبد الفتاح في تصريح لموقع “سفيركم” أن اختيار الوسيط الأمريكي للجزائر في هذا التوقيت يحمل دلالة بحد ذاته، فالولايات المتحدة تنظر إلى الجزائر باعتبارها طرفا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية. وفي الوقت نفسه تبدو حريصة على ألا تتحول العلاقة مع الجزائر إلى عامل تعطيل لمسار تقوده واشنطن والأمم المتحدة.
وأضاف أن بولس نفسه أكد خلال الأيام الأخيرة دعم واشنطن لتعميق التعاون الأمني والاقتصادي مع الجزائر. فيما جاءت زيارته للقاء الرئيس عبد المجيد تبون في سياق اتصالات أمريكية أوسع مرتبطة بالأمن والاستقرار الإقليميين. الأمر الذي سيشكل فرصة مناسبة لإثارة مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية من تداعيات استمرار النزاع المفتعل حول الصحراء على المستوى الأمني.
وقال عبد الفتاح إن خلف هذا الخطاب المرتبط بالعلاقات الثنائية بين الجانبين، يبرز ملف الصحراء. وهو تحديدا المجال الذي تبدو فيه واشنطن راغبة في إقناع الجزائر بالانتقال من موقع الطرف المعرقل لجهود التسوية إلى موقع المشاركة في التوصل للحل السياسي.
ويرى المتحدث أن المتوقع أن تؤكد رسالة بولس للنظام الجزائري على أن واشنطن لا تطلب من الجزائر التخلي عن خطابها السياسي دفعة واحدة. لكنها تريد منها التعامل مع المرحلة الجديدة باعتبارها مرحلة تفاوضية مختلفة عن المراحل السابقة.
الحكم الذاتي.. مرجعية المفاوضات المقبلة
وأشار عبد الفتاح إلى أن أهم المتغيرات المسجلة في تدبير الملف على المستوى الأممي منذ أكتوبر 2025. أن الولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مجرد ورقة من أوراق التفاوض، وإنما باعتبارها المرجعية الأساسية للمفاوضات المقبلة.
ولفت رئيس المرصد الصحرواي للإعلام وحقوق الإنسان، إلى أن القرار 2797، الذي اعتمد في 31 أكتوبر 2025، مدد ولاية بعثة المينورسو إلى 31 أكتوبر 2026. وهو التاريخ الذي يفسر جزئيا حساسية المرحلة الحالية.
وأضاف المتحدث أنه في أحدث موقف أمريكي واضح، بعث الرئيس دونالد ترامب في 3 أغسطس 2026 برسالة إلى الملك محمد السادس. أكد فيها أن الولايات المتحدة «تعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية» وأنها تدعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي «كأساس وحيد» للحل العادل والدائم.
وبالتالي، فالأرجح، بحسب عبد الفتاح، أن مضمون الرسالة التي حملها بولس للجزائر تناول إمكانية انخراطها في تسوية تقوم على الحكم الذاتي. دون أن تضطر إلى تقديم الأمر داخليا باعتباره تراجعا سياسيا شاملا. كما ستكون الزيارة فرصة للتأكيد على أن القرار 2797 هو إطار التفاوض وليس مجرد قرار لتمديد المينورسو.
وأوضح الناشط الصحراوي أن الخطاب الأمريكي الأخير، كما يظهر من التحركات المرتبطة بالقرار 2797، يتعامل معه باعتباره نقطة انطلاق للمفاوضات الجديدة.مشيرا إلى أن بولس أكد في وقت سابق أن القرار شكل منعطفا أعاد فتح النقاش بين المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، وأن المسار شهد تقدما خلال الأشهر الأخيرة.
واشنطن تضغط لتغيير الموقف الجزائري
في حين تحاول الجزائر، بحسب عبد الفتاح، تقديم قراءة مجتزأة للقرار الأممي أكثر تحفظا تعطي الانطباع بأن القرار لا يفرض مسبقا نتيجة نهائية. بل يوفر إطارا للتفاوض، مع محاولتها إحياء تأويلات متجاوزة حول حلول سبق أن ثبت استحالة تطبيقها.
لذلك، سيسعى بولس، وفق قراءة عبد الفتاح، إلى إبلاغ الإدارة الجزائرية بأن واشنطن لن تعود إلى الصيغة القديمة التي كانت تسمح بإعادة فتح كل عناصر النزاع من الصفر. وأن المطلوب هو التفاوض داخل الإطار الذي أصبح معتمدا من طرف مجلس الأمن والمتمثل في مرجعية المبادرة المغربية كأساس وحيد للتفاوض.
وبخصوص توقيت الزيارة الذي يحيل على اقتراب موعد انتهاء عهدة البعثة الأممية في الصحراء، في 31 أكتوبر 2026. أوضح عبد الفتاح أن الأمم المتحدة ستكون أمام حصيلة سنة كاملة منذ اعتماد القرار 2797، وفي هذه الفترة، يفترض أن تنتقل العملية السياسية من الاتصالات إلى تفاوض جاد.
ومن ثم، يمكن قراءة زيارة بولس، بحسب الباحث، باعتبارها جزءا من محاولة أمريكية لتجنب الوصول إلى أكتوبر دون تقدم ملموس. خصوصا أن الولايات المتحدة والأمم المتحدة أعلنتا تنسيقهما لدعم المسار السياسي والوصول إلى حل دائم في إطار القرار 2797.
وبالتالي، ستكون الجزائر مطالبة بأن تدخل في ترتيبات سياسية أكثر مرونة خلال الأسابيع المقبلة. أو أن تجد نفسها أمام مسار يتجه تدريجيا نحو تثبيت الحكم الذاتي باعتباره الإطار العملي الرئيسي للتسوية وفق المتحدث.
المغرب يدخل المرحلة من موقع مختلف
ويرى عبد الفتاح أن واشنطن تركز في وساطتها على الجزائر نظرا لانحسار رؤيتها مع الرباط. في حين ترى أن الطرف المصطدم مع التوجه الأممي نحو اعتماد المبادرة المغربية للحكم الذاتي هو الجزائر. كما أن المواقف الرسمية الأمريكية أصبحت أكثر وضوحا منذ رسالة ترامب الأخيرة إلى الملك.
وبالتالي، وحسب الناشط الصحراوي فإن المشكلة السياسية بالنسبة لواشنطن أصبحت أقرب إلى كيفية إدخال الجزائر في التسوية. عبر قبولها بالتفاوض على أساس الحكم الذاتي، وعدم تورطها في عرقلة مسار التفاوض.
ولعل مجرد انتقال واشنطن إلى مستوى التفاوض المباشر مع الجزائر حول المرحلة المقبلة. يمكن أن يدل بحسب عبد الفتاح، على أن الجزائر أصبحت أمام ضغط متزايد لاتخاذ موقف عملي من القرار 2797 بدلا من الاكتفاء برفضه سياسيا.
ويطرح الباحث السؤال الذي يبدو أن واشنطن تحاول الإجابة عنه الآن هل يمكن تحويل الموقف الجزائري من رفض الحكم الذاتي. إلى قبول المشاركة في مفاوضات حول تفاصيله دون إعلان الجزائر أنها تخلت عن مواقفها السابقة؟
أما المغرب، يضيف عبد الفتاح، فموقفه أصبح أكثر وضوحا، إذ يدخل هذه المرحلة من موقع مختلف تماما عن السنوات السابقة. فالموقف الأمريكي المعلن في أغسطس لم يكتف بتأييد الحكم الذاتي، بل أعاد تأكيد الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء.
كما أن عددا متزايدا من المواقف الدولية بات يتعامل مع الحكم الذاتي باعتباره أساسا واقعيا للتفاوض. وهو ما ظهر مجددا في مداولات اللجنة 24 بالأمم المتحدة خلال 2026، حيث أعادت عديد الدول التأكيد على دعم المبادرة المغربية وعلى أهمية تنفيذ القرار 2797.
لذلك، من غير المرجح، وفق عبد الفتاح، أن يكون المغرب مستعدا للعودة إلى مفاوضات تعيد طرح خيار الانفصال أو الاستفتاء باعتبارهما نقطتي انطلاق متوازيتين مع الحكم الذاتي.
زيارة 13 شتنبر واختبار 31 أكتوبر
وعليه، فالراجح حسب عبد الفتاح أن مسعد بولس يسعى إلى الضغط على الجزائر لقبول مناقشة المبادرة المغربية للحكم الذاتي. باعتبارها نقطة الانطلاق التي فرضها التطور الدبلوماسي والقرار 2797. فالولايات المتحدة تبدو في هذه المرحلة وكأنها تحاول الجمع بين الحفاظ على الجزائر كشريك إقليمي مهم. وفي الوقت نفسه منعها من تعطيل المسار الذي يتجه نحو تسوية أساسها الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ومن هنا تكتسب زيارة 13 شتنبر أهمية بالغة، فهي تأتي قبل أسابيع قليلة من 31 أكتوبر 2026. أي موعد اختبار جدية المسار الذي فتحه القرار 2797. فإذا كانت واشنطن تريد تحقيق اختراق قبل ذلك التاريخ. فإن الجزائر هي الحلقة التي تحتاج إلى اختراق موقفها السياسي، وليس مجرد إدارة خلافها مع المغرب.


