أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن تونس ردود فعل واسعة داخل الأوساط السياسية والوطنية التونسية. بعدما أصدرت شخصيات سياسية ووزراء ومسؤولون سابقون وبرلمانيون وحقوقيون. بيانا مشتركا أكدت فيه تمسكها بسيادة الدولة التونسية واستقلال قرارها الوطني، معتبرة أن أي خطاب يوحي بحاجة تونس إلى حماية خارجية يمس بمكانة البلاد وسيادتها.
وتأتي هذه المواقف في وقت تعيش فيه تونس احتجاجات اجتماعية متواصلة على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وسط انتقادات متزايدة لأداء السلطة الحالية. ويرى متابعون أن البلاد فقدت خلال السنوات الأخيرة جانباً من مكانتها السياسية الرمزية داخل الفضاء المغاربي. بعدما كانت لعقود تحافظ على سياسة الحياد والتوازن بين المغرب والجزائر، وهو ما مكنها من لعب أدوار الوساطة والحفاظ على قنوات التواصل بين الجارين. قبل أن تتجه سياسياً نحو الجزائر، الأمر الذي انعكس، بحسب منتقدين، على هامش تحركها الدبلوماسي ودورها التقليدي في المنطقة.
بيان يؤكد سيادة تونس ويرفض الوصاية
وفي هذا السياق، أصدرت شخصيات سياسية ووطنية تونسية بياناً حمل عنوان “تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة”. أكدت فيه أن استقلال القرار الوطني وصون السيادة التونسية “ثابتان لا يقبلان التأويل أو الانتقاص أو المساومة”.
وشدد البيان على أن العلاقات التاريخية بين تونس والجزائر تمثل رصيدا استراتيجيا يجب الحفاظ عليه وتعزيزه. لكن على أساس الاحترام المتبادل والمساواة الكاملة بين الدولتين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وأكد الموقعون أن “الصداقة الحقيقية لا تقوم إلا بين دولتين مستقلتين ومتكافئتين في السيادة، لا بين حامٍ ومحمي”. مشددين على أن أمن تونس والدفاع عن وحدتها الترابية مسؤولية حصرية لمؤسساتها الدستورية. وفي مقدمتها الجيش الوطني والقوات الأمنية، إلى جانب الشعب التونسي.
كما أبرز البيان أن تونس أثبتت، عبر تاريخها، قدرتها على حماية سيادتها وصون أمنها الوطني دون وصاية أو حماية من أي طرف. مؤكدا أن التعاون الأمني والعسكري مع الجزائر يظل أمراً مشروعاً تفرضه التحديات المشتركة. لكنه يجب أن يقوم على الندية والثقة المتبادلة والاحترام الكامل لاستقلال القرار الوطني.
وأضاف الموقعون أن التضامن بين البلدين في مواجهة الإرهاب لا يمكن أن يبرر أي خطاب قد يُفهم منه أن تونس تحتاج إلى حماية خارجية أو أن أمنها مرهون بتدخل أي دولة أخرى. معتبرين أن مثل هذا الطرح يمس بمبدأ السيادة الوطنية وبمكانة مؤسسات الدولة التونسية.
وفي الجانب الداخلي، حمّل البيان السلطة القائمة مسؤولية تراجع مناعة الدولة وما وصفه بتدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. معتبرا أن ضعف مؤسسات الدولة وعزلتها الإقليمية والدولية جعلا تونس أكثر عرضة للضغوط الخارجية ولخطابات تمس باستقلال قرارها الوطني.
وأكد الموقعون أن الدفاع عن سيادة تونس لا يتعارض مع متانة العلاقات الأخوية مع الجزائر. بل يكرسها على أسس سليمة قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. بعيدا عن أي منطق للوصاية أو الهيمنة.
أسماء بارزة وقعت على البيان
وضمت قائمة الموقعين على البيان عددا من أبرز الشخصيات السياسية والوطنية في تونس، من بينهم الرئيس الأسبق للمجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر. والوزير الأسبق ورئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات السابق كمال الجندوبي، والأمين العام السابق لحزب التيار الديمقراطي محمد عبو. ورئيس حزب العمل والإنجاز عبد اللطيف المكي، والمستشار السابق للأمن القومي كمال العكروت. ومحافظ البنك المركزي التونسي الأسبق مصطفى كمال النابلي، والأمين العام السابق لحزب التكتل مصطفى بن أحمد. إلى جانب عدد من الوزراء السابقين والبرلمانيين والمحامين والحقوقيين والأكاديميين وممثلي منظمات المجتمع المدني.
واختتمت الشخصيات الموقعة بيانها بالتشديد على أن موقفها يأتي وفاءً لتونس ودفاعاً عن كرامة شعبها واستقلال قرارها الوطني. مؤكدة تمسكها بمبادئ القانون الدولي التي تقوم على المساواة في السيادة بين الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. مع التأكيد على أن “تونس لن تقبل وصاية من أحد، وستستعيد مكانتها بجهد أبنائها وبناتها وحدهم.
فصيح مصطفى: الاحتجاجات التونسية أزمة داخلية لا مبرر للتدخل فيه
وفي تعليقه على الموضوع، قال الباحث في العلاقات الدولية فصحي مصطفى إن “الاحتجاجات التي تعرفها تونس أخيرا هي احتجاجات شعبية عارمة ، جاءت نتيجة مجموعة من الأسباب. أولها تراجع حاد في الخدمات الاجتماعية (انقطاعات في الكهرباء والماء وتدني الخدمات الصحية ونقص حاد في الأدوية، إضافة إلى تراجع حاد في الملف الحقوقي من خلال الاعتقالات التي طالت مجموعة من الحقوقيين والمعارضين). وهي أمور يراها المواطن التونسي مؤشرات تدل على إفلاس الدولة في عهد قيس سعيد. الذي زج بتونس في دوامة من المشاكل الداخلية ووضعها في عزلة داخل محيطها المغاربي المتوسطي والدولي.”
وأضاف فصحي في تصريح لموقع “سفيركم”!الف أن “هذه الاحتجاجات الشعبية تبقى أمورا داخلية. ورد فعل الحكومة في تونس تبقى أمورا داخلية صرفة. لكن الغريب في الأمر هو تصريح الرئيس الجزائري الذي ألقى باللائمة على الإرهاب وأطلق تهديدات بالتصفية ضد المحتجين التونسيين. ويمكن تفسير هذه التصريحات من الناحية القانونية على أنها تدخل غير مبرر في الشأن الداخلي التونسي.”
وتابع المتحدث أن “ من الناحية الجيوسياسية تأتي هذه التصريحات في سياق إقليمي ودولي. تعيش فيه الجزائر أيضا عزلة إقليمية بعد توتر العلاقات مع مجموعة من الدول (فرنسا، إسبانيا، ألمانيا…). بسبب موقفها الداعم لمغربية الصحراء، بالإضافة إلى الغليان والحراك الداخلي.”
وأردف الفصحي أن “تصريحات تبون تجاه الاحتجاجات الشعبية المشروعة في تونس هي محاولة يائسة من أجل استعمال ورقة تونس للضغط على المحيط الإقليمي والداخل التونسي، ومن أجل التخويف والترهيب للحيلولة دون سقوط قيس سعيد. لأن أي انتقال ديمقراطي للسلطة في تونس سيؤدي إلى فقدان حليف استراتيجي في شمال إفريقيا.
وأضاف الباحث في العلاقات الدولية قائلا “ان الخوف من انتقال عدوى الاحتجاجات إلى داخل الجزائر، هو أمر يفزع جنرالات المرادية. خصوصا في هذا التوقيت الذي يتسم بتوسع العزلة الدولية (قطع العلاقات مع فنيزويلا أمس). واحتجاجات وحراك داخلي ذو مطالب شعبية، ومعضلة الحرائق التي أتت على نصف الغطاء النباتي للبلاد.”
وختم فصحي مصطفى تصريحه بالقول إن “الاتهامات المبطنة للإمارات العربية المتحدة بسبب دعمها للمغرب في قضيته الوطنية. كلها أمور تفسر هذا التخبط الذي يعيشه النظام الجزائري مؤخرا. وما تصريحات وتهديدات تبون ضد محتجين بمطالب اجتماعية وفي بلد جار واتهامهم بالإرهاب إلا صورة من صور هذا التخبط.


